أقلُّ المهرِ | ويكي عربي، أكبر موقع عربي

أقلُّ المهرِ

كتابة: د. نور ابو جامع - آخر تحديث: 16 مارس 2020
أقلُّ المهرِ

ما هو أقلُّ المهر

أولاً صورةُ المسألةِ، هل حدَّ الشَّارعُ الحكيمُ مقداراً أدنى للمهرِ وهل قام بتحديد مقداراً أعلى له، وسنتّعرف من خلال موضوع أقلُّ المهرِ على تعريف المهر ومقداره عند المذاهب الأربعة الحَنَفيَّة، المالِكِيَّة، الشَّافعيَّة، الحنابلة، في الأسفل.

تعريف المهر لغةً وشرعاً

المهر في اللغة

مهر: المَهْرُ: الصَّداق، وَالْجَمْعُ مُهور؛ وَقَدْ مَهَرَ المرأَةَ يَمْهَرها، ويَمْهُرها مَهْراً وأَمْهَرَهَا. وَفِي حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ: وأَمهرَها النَّجاشيُّ مِنْ عِنْدِهِ؛ سَاقَ لَهَا مَهْرَهَا، وَهُوَ الصَّدَاقُ.[۱]

وأنشدَ لقحيف العقيليُّ: أخذن اغتصابا خِطْبَةً عَجْرَفِيَّةً * وأمْهِرْنَ أرْماحاً من الخَطِّ ذُبَّلا – وفي المثل: كالمَمْهورَةِ إحدى خَدَمَتَيْها. والمَهيرةُ: الحُرَّةُ. والمَهارَةُ: الحَذَقُ في الشَّئ. وقد مَهَرْتُ الشَّئ مَهَارَةً.[۲]

المهرُ شرعاً

الحَنَفيَّة: هو المالُ يجبُ في عقد النِّكاح على الزَّوْجِ في مقابلة منافعِ البُضْع، إمَّا بالتَّسميةَ أو بالعقد.[۳]

المالِكِيَّة: هو ما يُجعلُ للزَّوجةِ في نظيرِ الاستمتاع بها.[٤]

الشَّافعيَّة: هو ما وجبَ بنِكاحٍ، أو وَطءٍ، أو تفويتِ بُضعٍ قهراً كرَضاعٍ ورجوع شهود.[٥]

الحنابلة: العِوضُ في النِّكاح سواءٌ سُمِّيَ في العقدِ أو فُرضَ بعدَه بتراضيهِما أو الحاكم[٦]

تحريرُ محلِّ النزاع

اتَّفقَ أئمَّةُ المذاهبِ الأربعةِ على أنَّ المهرَ ليس لأكثرِه حدٌّ،[٧] ولكنَّ الاختلافَ في أقلِّه على ثلاثةِ مذاهب:

قال الحَنَفيَّة: أدنى المقدارِ الذي يَصْلُح مهراً فأدناه عشرةَ دراهمَ أو ما قيمَتُه عشرةَ دراهم.[۸]

قال المالِكِيَّة: أقلُّه ربعُ دينارٍ من الذَّهب أو ثلاثةُ دراهمَ كيلاً من فضَّةٍ، أو ما ساوى الدَّراهمَ الثَّلاثة، أعني: دراهمَ الكيلِ فقط في المشهور. وقيلَ: أو ما يساوي أحدَهما.[۹]

قال الشافعيُّ وأحمدُ: إنَّ الصَّداقَ غيرَ مقدَّرٍ، لا أقلَّه ولا أكثره، بل كلُّ ما كانَ مالاً جاز أن يكون صداقاً. وبهذا قال الحسنُ وعطاء، وعمرو بن دينار، وابن أبي ليلى، والثَّورِيُّ، والأوزاعيُّ، والليثُ، والشَّافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثور، وداودُ. وزوَّجَ سعيدٌ بن المسيّب ابنتَهُ بدرهمين، وقال: لو أصْدَقَها سوطاً لحلَّتْ.[۱۰]

سبب الإختلاف

وسبب اختلافهم في التَّقدير سببان وهما :

السبب الأول: تَردُّده بين أن يكون عوضاً من الأعواضِ يعتبرُ فيه التَّراضي بالقليلِ كانَ أو بالكثير، كالحالِ في البيوعات، وبين أن يكون عبادةً فيكون مؤقتاً. وذلك أنَّهُ من جهةٍ أنَّهُ يملك به على المرأةِ منافعها على الدوام يشبهُ العِوض، ومن جهةِ أنَّهُ لا يجوزُ التَّراضي على إسقاطه يشبهُ العبادةَ.

السَّبَب الثَّاني: معارضةُ هذا القياسِ، فالمقتضي التَّحديدُ لمفهومِ الأثر الذي لا يقتضي التَّحديد.

أدلَّتُهم

أدلَّة أصحاب القولِ الأوَّل ( الحَنَفيَّة و المالِكِيَّة):

استَدُلُّوا من الكتابِ والسُّنَّة والقياسِ:

أ ـ الكتاب: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۖ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ۚ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا)،[النساء:24]، ووجه الدَّلالة: أباح عقدَ النِّكاح بشرطِ أن يكونَ البدلُ أموالاً، وما دونَ العشرةِ لا يتناولُه اسمُ الأموال.[۱۱]

ب ـ السُّنَّة:

  1. عَنْ دَاوُدَ , وعن عليٍّ،وعَنِ الشَّعْبِيِّ  قَالَ: «لَا صَدَاقَ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ»۲]
  2. قال حَدَّثَنا عبد الباقي بن قانعٍ قال: حَدَّثَنا حامدُ بن الشاذيُّالكشيُّ قال الحجَّاجُ عن عطاءٍ وعمرو بن دينار عن جابرٍ بن عبد الله قالَ: قالَ ألرسولُ :«لا مهرَ دونَ عَشرَةَ دراهم»۳]
  3. النبيُّ قال: «ألا لا يُزوِّجُ النِّسَاءَ إلَّا الأوْلياءُ، ولا يُزوجْهنَّ إلَّا مِن الأكْفَاءِ، ولا مهرَ أقلَّ من  عشرةِ دراهمَ»[۱٤]، ووجه الدَّلالة: وهذه الأحاديث تَدُلُّ بشكلٍ واضحٍ وصريحٍ أنَّهُ لا مهر دون عشرة دراهم.٥]
  4. حديثُ عبدِ الله بن عمرَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا قَطْعَ في أقلَّ منْ عشرةِ  دراهمَ، ولا مهرَ أقلَّ من  عشرةِ دراهم»[۱٦] وقد بلغنا ذلك عن عليٍّ وابن عمرَ وعائشةَ وعامرٍ وإبراهيم رضي الله عنهم[۱٧].

وجه الدَّلالة

العشرة دراهم مالٌ يُسْتَباحُ به عضوٌ فوجبَ أنْ يكونَ مقدَّراً كالنِّصابِ في قَطْعِ السَّرقةِ، ولأنَّهُ أحدُ بدَلي النِّكاح فوجبَ أنْ يكونَ مقدَّراً كالبُضْع، ولأنَّ ما كان من حقوقِ العقدِ يقدَّرُ أقَلُّه كالشُّهود

ج ـ  القياس:

أبو حنيفة وأصحابُه: لا يجوزَ أقلُّ من عشرةِ دراهمَ كيلاً قياساً على ما تُقْطَع فيه اليَد، وكذلك قاسَه مالكٌ على ما تُقطع اليَدُ عندَه فيه، فقالَ مالكٌ: هو رُبعُ دينارٍ أو ثلاثةُ دراهم؛ لأنَّهُ النِّصاب في السَّرقة عندَه.[۱۸]

قالَ أبو حنيفَة: هو عشرةُ دراهمَ؛ لأنَّهُ النِّصاب في السَّرقةِ عنْدَه.

قال مالكٌ: إنَّ البُضْع عُضوٌ مستباحٌ ببدلٍ من المالِ فلا بدَّ أنْ يكونَ مقدَّراً قياساً على قَطْع اليَد.

قال أبوحنيفة : قدْ صحَّ عندَنا أنَّ اليدَ لا تُقْطَع في أقلَّ من عشرة ، والمعنى فيه أنَّهُ عضوٌ محظورٌ لا يُستباحُ إلا بمالٍ، قكذلك البِضْعُ لمّا كان هذا المعنى موجوداً فيه، وجبَ أنْ لا يُسْتَباحَ بأقلَّ من عشرة.[۱۹]

أدلَّة أصحاب القول الثَّاني:

استَدُلُّوا من الكتاب والسُّنَّة:

أ ـ الكتاب: قولُ اللهِ تعالى:(وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [البقرة:237]

وجه الدَّلالة: ومن الآيةِ دليلان: أحدُهُما عامٌّ: وهو قولُه: في سورة البقرة الاية :237، فكانَ على عُمومِهِ، من قليلٍ أو كثير. والثَّاني خاصٌّ: وهو أنَّهُ إذا فُرِضَ لها خَمْسَةُ دَراهمَ وطلَّقها قبلَ الدُّخول اقْتَضَى أنْ يجب لها درهمان ونصف، وعند أبي حنيفَةَ يَجِبُ لها الخمسةَ كُلُّها وهذا خلافُ النَّص.[۲۰]

ب ـ السُّنَّة: روى عَبْدُ الرَّحمنِ عن عبدِ الله بن عُمَر أنَّ رسولَ الله قال: « أدُّوا العَلَائِقَ، قالُوا يَا  رَسُولَ الله، وَمَا الْعَلَائِقُ؟ قال: مَا تَرَاضَى بِهِ الْأَهْلُونَ».[۲۱]

وجه الدَّلالة: قال الشَّافعيُّ: ولا يقعُ اسم عَلقٍ إلا على شيءٍ مما يتموّلُ وإنْ قلَّ، ولا يقعُ اسمُ مالٍ ولا عَلَقٍ إلا على ما له قيمةٌ يُتبايعُ بها، ويكُونَ إذا استهلكها مستهلكٌ أدّى قِيْمَتَها وإنْ قَلَّتْ، وما لا يَطرَحُهُ النَّاسُ من أموالِهِم مِثْلَ الفِلْسِ وما يُشْبهُ ذلك ،والثَّاني كلُّ منفعةٍ مُلكت وحلَّ ثمنها، مثل كَرَاءِ الدّار وما في معناها مما تحلُّ أجرته، فكان على عُمُومِهِ فيما تراضَوا بهِ منْ قليلٍ وكثيرٍ.[۲۲]

رُوي عن النَّبي أنَّهُ قال: «من استحلَّ بدرهمين فقد استحلّ »[۲۳]

وجه الدَّلالة: يعني فقد استحلَّ بالدِّرهمين، فدلَّ أنَّهُ ليسَ لأدنى حدّ، والحديث ضعيفٌ لا يقوى على الحجَّة به أمام الأحاديث الصحيحة.

روى عاصمٌ بن عبيدِ الله عن عبد اللهِ بن عامر بن ربيعةَ عن أبيه: أنَّ امرأةً تزوّجتْ على نعليْن فقال لها رسولُ الله : أرضيتِ من نَفْسكِ ومَالِكِ بهاتيْن النَّعليْن؟ فقالت: نَعمْ, فَأَجَازَه.[۲٤]

روى أبو حازمٍ عن سهلٍ بن سعدٍ السّاعديّأنَّ رسولَ الله قال لرجلٍ خطبَ منه المرأةَ  التي بذلتْ نفسها له: «إلْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمَاً مِن حَدِيدٍ»[۲٥]

وجه الدَّلالة: والخاتمُ من الحديدِ أقلُّ الجواهرَ قيمةً، فدلَّ على جوازِ القليلِ منَ المهرِ .

روى يونسُ بن بُكيرٍ عن صالحٍ بن مسلمٍ بن رومان، عن أبي الزُّبير عن جابرٍ بن عبد الله، أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: « لو أنَّ رجلاً أعْطَى امْرَأةً صَداقاً مِلءَ يديْهِ طَعَاما كانت به حَلَالاً »[۲٦]

روى أبو هارونَ العبديُّ، عن أبي سعيدٍ الخُدَريّ أنَّ النَّبيَّ قال: « لا جُنَاحَ عَلَى امرئٍ  أنْ يَصْدُقَ امرأةً قليلاً أو كثيراً إذا أُشهد وتراضَ».[۲٧]

رَوى قَتادةَ عَنْ عبدِ الله بن المؤِمّل عن جابرٍ قال:« إنَّا كنّا لَننْكحُ المرأةَ على الحَفْنةِ أو الحفنتيْن من دقيقٍ».[۲۸]

روى قَتادةَ عن أنسٍ بن مالكٍ قال: تزوَّجَ عبدُ الرَّحمنِ بن عوفٍ امرأةً من الأَنصار على وزنِ نواةٍ من ذهبٍ قُوِّمَتْ ثلاثة دراهم.[۲۹]

وجه  الدَّلالة: هو أنَّ الأحاديث كلَّها واضحةٌ على أنَّهُ لا حدَّ لقليلٍ، وهذه كلِّها نصوصٌ لا يجوزُ خِلافُها.

ج ـ القِياس:

هو أنَّ كلَّ ما صَلحَ أن يكون ثمنا صَلُحَ أن يكون مهرا كالعشرة، ولأنَّهُ عقدٌ ثبت فيه العَشرةَ عِوَضا فصحَّ أن يثبتَ دونَها عِوضا كالبيع، ولأنَّهُ عوضٌ على إحدى منتفعيها فلم يتقدَّر قياسا على أجرة منافعها، ولأنَّ ما يقابل البُضع من البَدَلِ لا يُتقدّر في الشَّرع كالخلع، ولأنَّ كلَّ عِوض لا يتقدر أكثره لا يتقدر أقلُّه قياسا على جميع الأعواض، ولا يدخل عليه الجزية، لأنَّها ليست عوضا.[۳۰]

مناقشةُ الأدلَّة والتَّرجيح

مناقشةُ أدلَّة أصحابِ القولِ الأوَّل:

فأمَّا الجواب عن الآيةِ فمنْ وجهين:[۳۱]

أحدُها: أنّ ظاهرَها متروكٌ بالإجماعِ؛ لأنَّهُ لو نَكَحَها بغيرِ مَهْرٍ حَلَّت.

والثَّاني: أنّ ما دونَ العَشْرة مالٌ. ألا تراه لو قالَ: له عليّ مالٌ ثم بينَ درهماً أو دانقاً قُبِلَ مِنْه، فَدلَّتْ الآيةُ على جَوازِهِ في المهر.

وأمَّا الجوابُ عنْ حَديثِ جابرٍ فمن وجهين:

أحدُهُما: أنَّهُ ضعيفٌ؛ لأنَّهُ روايةُ مبشِّرٍ بن عبيد وهو ضعيفٌ. عن الحجّاج بن أرطأةَ وهو مدلِّس، وقد روينا عن جابرٍ من طريقٍ ثابتةٍ قولاً مسنداً، وفعلاً منتشراً ما ينافيه فدلَّ على بُطلانه.[۳۲]

والجوابُ الثَّاني: أنَّهُ يُسْتَعْمَلُ إنْ صَحَّ، في امرأةٍ بِعيْنِها كانَ مهرُ مِثلَها عشرةَ، فحكمَ لها فيه بالعَشْرة. وأمَّا قياسُهم على القَطْع في السَّرِقَةِ فقولهم: مالٌ يُسْتَباحُ به البُضْعُ فاسدٌ من أربعةِ أوجه:[۳۳]

أحدُها: أنَّهُ لا يُسْتَباحُ القَطْعُ في السَّرِقَةِ بالمالِ، وإنّما يُسْتَباحُ بإخراجهِ.

الثَّاني: أنَّهُ لو أُسْتُبِيحَ بالمالِ لما لزمَ ردُّ المال، وردُّ المالِ لازمٌ.

الثَّالِث: أنَّهُ ليس يُسْتَباحُ بِهِ العُضْو وإنّما يُقطع به.

الرَّابع: أنَّ عقدَ النِّكاح لا يختصُّ باستباحةِ عضوٍ، بلْ يُسْتَباحُ بهِ جميعُ البَدَنِ، فَبَطُلَ التَّعليل بما قالوه.

ثمَّ المعنى في قَطْع السَّرِقَةِ أنَّهُ عن فعل كالجنايات، فجازَ أنْ يكونَ مقدراً كسائِرِ الجناياتِ، والمهرُ عِوضٌ في عقدِ مراضاةٍ فَلَمْ يَتَقَدَّرْ كسائرِ المعاوضات.

أمَّا قياسُهم على ما في مقابلتهِ من البُضْعَ المقدَّرِ ففاسدٌ بالبدلِ في الخُلْعِ، هو غيْرُ مقدَّرٍ وإن كان في مُقابلةِ بُضْعٍ مُقدَّر، ثم المعنى في البُضْعَ أنَّهُ صارَ مُقدَّراً؛ لأنَّهُ لا يَتَجزَّأ، فَصار مُقدَّراً لا يَزيدُ وَلا يُنْقَصُ، والمَهْرُ يَتجزَّأ فصحَّ أنْ يَزيد وصحَّ أَنْ يُنْقَص.[۳٤]

مُنْاقشَةُ أدلَّة أصْحابِ القولِ الثَّاني:

1ـ قولُهم: قولَ الله تعالى:(وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [البقرة:237]

ردٌّ: لم يختلفْ في اسْتِحْقاقِ نِصْفِ المُسمَّى بالطَّلاق قبل الدُّخول، وإنَّما الخلافُ فيما زاد، إذا كانت التَّسمية أقلَّ من عشرة، وليسَ في الآيةِ نفيُه ولا إثباتُه، فَحُكْمُهُ موقوفٌ على الدَّلالة، وقد قامت الدَّلالة على وجوبهِ فصارت الآية مُوجِبةٌ لنصفِ المُسمَّى ، والدَّلالة للزِّيادةِ إلى تمامِ خمسةِ دراهم إذا طلَّق قبلَ الدُّخول.[۳٥]

2ـ والحقُّ أنَّ وجودَ ما ينفي بِحسب الظَّاهر تقديرُ المهرِ بعشرةٍ في السُّنَّة كثيرٌ؛ منها حديثُ «التمِسْ وَلَوْ خَاتَمَاً مِنْ حَدِيدٍ»[۳٦] ، وحديث التِّرمذيِّ وابنِ ماجه «أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد أَجاز نِكاح امرأةٍ على نعلين»[۳٧] صحَّحَهُ التِّرمذيُّ.

وحديث الدَّار قطنِيّ والطبرانيُّ عنه صلى الله عليه وسلم :«أدُّوا العَلَائِقَ، قِيلَ وما العلائقُ؟ قال: مَا تَرَاضَى عَلَيه  الْأَهلونَ وَلَو قَضِيباً مِن أَرَاكٍ».[۳۸]

وحديث الدّارقُطنِي عن الخُدِريِّ عنه، وحديثُ النَّعلين وإنْ صحَّحَه الترمذيُّ فليسَ بصحيح؛ لأنَّهُ فيه عاصماً بن عبيدِ الله، قال ابن الجَوزيِّ: قال ابن معينٍ: ضعيفٌ لا يُحتجّ به[۳۹].

وقالَ ابن حِبَّان: فاحشُ الخطأِ فَترِك، وحديث العَلائقُ معلولٌ بمُحمَّد بن عبد الرحمن بن البيلمانيِّ قال ابن القطَّان: قال البخاريُّ: منكرُ الحديث.[٤۰]، ورَواهُ أبو داودَ في المراسيل وفيه مُحمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: فيه ضعفٌ.[٤۱]

وقال السَّعديُّ مثله مع احتمال كون تينك النَّعلين تساويان عشرَة درَاهم، وكوْن العلائق يرادُ بها النَّفقة والكسوة ونحوها إلا أنَّهُ أَعمُّ من ذلك، واحتمالُ أن يكون قوله: التمسْ خاتماً في المعجَّل، وإنْ قيل إنَّهُ خلافُ الظَّاهر لكن يجبُ المصيرُ إليه.[٤۲]

الرَّأي الراجح

كما يبدو من أدلَّة كلِّ فريقٍ أنَّ الراجحَ هو قولُ الحَنَفيَّة، لأنَّ المهرَ ثابتٌ بالنَّصِّ:(فَآتوهنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) فَالأَّولى اعتباره، وقوله تعالى يتعارضُ مع رأي الشَّافعيَّة والحنابِلة من أنَّ أقلَّ المهر غيرُ مقدِّرٍ، مع اتجاهي أنْ لا يكونَ مبالغاً فيه، والنتيجةُ أنَّ القول بأنَّ المهرَ مقدَّرُ الأقلِّ هو الأقرب للصواب.

219 مشاهدة