إجبار البِكر على النِّكاح - ويكي عربي

إجبار البِكر على النِّكاح

إجبار البِكر على النِّكاح

إجبار البِكر على النِّكاح

 صورةُ المسألةِ: هل يجوز إجبار البِكر الكبيرة البالغة على النِّكاح؟

ثانياً: تعريف البِكْر لغةٌ وشرعاً

 تعريف البِكْر في اللغة[1]

البِكْر لغةً: العذراءُ التي لمْ يمسُّها رجلٌ. وأصلُ مادَّةِ “بكر” راجعٌ إلى أوّلِّ كلِّ شيءٍ، وبدايته، كالبِكْرة: للغداة وهي: أوَّل النَّهار، والبِكْر: العذراءُ، والمصدر البَكارة – بالفتح- والبِكْر: المرأةُ التي ولدت بطناً واحدًا، وبِكْرُها ولدها، والذَّكر والأنثى في هذا سواء. والتَّبكير: وهو الذهاب في أوَّل كلِّ وقتٍ، وقد تسمّى المرأةُ في أوَّل حملٍ لها، أو ولد تضعهُ بِكْرًا.

قال ابنُ منظورٍ: البِكْر: الجاريةُ التي لم تفتضْ، وجمعُها أبكار، والبِكْر من النِّساء التي لم يقْرَبُها رجلٌ، ومن الرِّجال الذي لم يقرب امرأةً، والجمع أبكار، وامرأة بِكْرٌ: حملتْ بطنًا واحدًا.[2]

تعريف البِكْر في الشَّرع

البِكْر في اصطلاح الفقهاء: اسمٌ لامرأةٍ لا تجامع بنِكاح ولا غيره،  وقيل البِكْر التي لم تُوطَأ في قبلها، وقيل : البِكْر، وهي الجارية التي لم يمسُّها الرَّجلُ.[3]

ثالثاً: تحريرُ مَحَلِّ النِّزاع 

  1. اتَّفق أَئِمَّةُ المذاهبِ الأربعةِ على جوازِ إجبارِ الصَّغيرة على النِّكاح.[4]
  2. اتَّفق أئمَّة المذاهبِ الأربعةِ على عدم جواز نِكاح الثَيِّب بغيرِ رضاها.[5]
  3. اختلفوا على البِكْر الكبيرة، هل يجوز إجبار البِكْر البالغة على النِّكاح على القولين:

 القولُ الأوَّل:

مذهبُ الجمهورِ: البِكْر الكبيرةُ، فللأَب[6] أنْ يزوِّجَها جَبراً كالصَّغيرة، وإنِّما يستأذِنُها على استطابةِ النَّفْس من غيرِ أَنْ يَكونَ شَرطاً في جَوازِ العقد. وبه قالَ ابنُ أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق.[7]

القولُ الثَّاني:

أبو حنيفة: ذَهَبَ أَبو حَنيفةَ إلى أنَّهُ لا يجوزُ إجبارُ البِكْر البالغةِ الصَّحيحةِ العقلِ على النِّكاح حتى يَسْتأذنَها، فإنْ سكتت: كان ذلك كأنَّهُا بالقولِ، وإنْ أبتْ لم يَجزْ تَزويجُه إيَّاها[8]، والإمامُ أحمد في إحدى الرِّوايتين عنه ،[9] في روايهٍ ووافقهم مالكٌ[10] في البِكْر المُعنّسة على أحدِ القوليْن عنه.[11]

سَبَبُ الاخْتِلاف:

  • مُعارضةُ دليلِ الخطابِ في هذا للعموم، وذلك أنَّ ما رُوِيَ عنه  uمن قوله: «لا تُنْكَحُ اليَتيمةُ إلا بإذنها».
  • وقوله: «تُسْتَأمَرُ اليتيمَةُ في نفسِها» ، والمفهوم منه بدليلِ الخطاب أنَّ ذات الأب بخلاف اليتيمة.
  • وقولهُ رضي الله عنه في حديثِ ابنِ عباسٍ المشهور: «والبِكْر تُسْتَأمَر» يوجبُ بعمومِه استئمارُ كلِّ  بِكْرٍ، والعمومُ أقوى من دليل الخطاب، مع أنَّهُ خرَّج مسلمٌ في حديث ابن عباس زيادة، وهو أنَّهُ قال u: «والبِكْر يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا» وهو نصٌّ في مَوْضعِ الخلاف[12]

رابعاً: أقوالُ العلماء

أدلَّة أصحابُ القولِ الأوَّل:

استَدُلُّ الجمهورُ من الكتابِ والسُّنَّة والقياسِ:

أ ـ الكتاب

  •  قال الله سبحانه وتعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) [آل عمران:159].
    • وجهُ الدَّلالة: ولَمْ يَجْعَل الله لهم معه أمراً، إنَّما فَرَضَ عَليْهِم طاعَتَهُ، ولكنَّ في المشاورةِ استطابةُ أنْفُسِهِمْ، وأَنْ يَسْتَنَّ بِها مَنْ لَيْسَ لَهُ عَلى النَّاس ما لرسولِ الله ﷺ ، والاستَدُلُّالُ بأَنْ يَأتيَ مِنْ بَعْضِ المشاوَرِين بالخيرِ قد غاب عن المستشير وما أشبه هذا.[13]

ب ـ السُّنَّة

  • بقولِ النَّبي ﷺ: «الأيِّمُ أحقُّ بِنَفْسِهْا مِنْ وَليِّها والبِكْرُ تُسْتَأذنُ في نفسِها وإذنُها صِماتُهْا»[14]
  • حديثُ «الخَنْساء زوَّجها أبوها وهي ثيِّب فكرهتْ ذلك فردَّ رسول الله ﷺ نِكاحهُ، وفي ترْكه أن يقول للخنساء إلا أنْ تشائي أنْ تجيزي ما فعلَ أبوك»[15]
    • وجه الدَّلالة: أنَّهُا لو أجازتهُ ما جازَ، والبِكْر مخالفةً لها لاختلافِهما في لفظِ النبيِّ ﷺ ،ولو كانا سواءً كان لفظُ النبيِّ ﷺ أنَّهُما أحقُ بأنفسِهما.
  • «وقالتْ عائشةُ – رضي الله عنها: تَزوَّجني رسولُ الله ﷺ وأنا ابنةُ سبعِ سنينَ ودخلَ بي وأنا ابنة تسع»[16]
    • وجه الدَّلالة: أنَّهُ لا أمرَ لها وكذلك إذا بلغتْ، ولو كانت أحقُّ بِنَفْسِها أشبهُ أنْ لا يجوزُ ذلك عليها قَبْلَ بُلوغِها.[17]
    • ويُشبهُ في دلالة سنَّة رسولِ الله ﷺ، إذا فرَّق بين البِكْر والثَيِّب فَجَعَلَ الثَيِّب أحقَّ بِنَفْسِهْا مِنْ وَليِّهْا، وَجَعَلَ البِكْر تُستأذَنُ في نفسها, وإذا لم يكن هناك فرقٌ لم يكن هناك معنىً من التفريق بين الثَيِّب والبِكْر، ولو اكتفى بقول البِكْر والثَيِّب أحقُّ بأنفسهما .
  • وقد زوَّج عليٌّ عمرَ أُمَّ كلثومٍ بِغيْرِ أَمْرها، وزوَّج الزُّبير ابنتَهُ صبيَّة، وتزوَّج النَّبيُّ عائشةَ أبنةَ ستِّ سنين وبنى عليها ابنة تسع.[18]
    • القياس: إنَّ كلَّ من جازَ له قبْضُ صداقِها بعد رِضاعِها جاز له عقدُ نِكاحها بغيرِ رضَاها كالأمةِ وكالبِكْر الصَّغيرة؛ ولأنَّ ما استحقَّ بالولاية في نِكاح الصَّغيرة استحقَّ بالولايةِ في نِكاح الكبيرةِ قياساً على طَلَبِ الكفاءة، لَوْ لَمْ يَكُنْ له تزويجُها جَبْرَاً في الكِبرِ لما كان له تَفْويتُ بُضعِها في الصِّغَرِ.[19]

أدلَّة أصحابُ القولِ الثَّاني: 

استَدُلُّ الحَنَفيَّة من الكتابِ والسُّنَّة والمعقول: 

أ ـ الكتاب: 

يُحتجُّ فيه من جهة الظَّاهر بقوله تعالى : 

  • (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) [الأنعام:164] و (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ)   [النجم:39]
    • وجه الدَّلالة: يدلُّ على جواز النِّكاح بغير وليٍّ ، ويدلُّ على ذلك أيضاً؛ لأنَّهُا إذا جاز لها تزويجُ نَفْسِهْا، لم يجزْ عقدُ الأبِ عليها.
  •  (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا )[النساء:19] وكانوا في الجاهليَّة إذا ماتَ الرَّجلُ عن امرأةٍ، تزوَّجها ابنُ عمِّه غصباً عليها،[20] فدلَّت آية على أنَّهُ لا يجوز إجبار النِّساء على الزَّواج. 

ب ـ السُّنَّة

  • عن أبي هريرةَ، قال: قالَ رسول الله ﷺ: «تُستأمرُ اليَتِيمَةُ فِي نَفْسِها، فإنْ سَكَتَتْ فَهوَ إذنُها، وإنْ أَبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا»[21]
    • وجه الدَّلالة: ومعلومٌ أنَّ المراد باليتيمة في هذا الموضِع البِكْر، لاتِّفاق الجميع على السُّكوت لا يكون إذناً إلّا في البِكْر، وَيَدلُّ لفظ الخَبر على أنَّهُا بالغ .
  • ابن عباس، أنَّ النَّبي  قال: «الأيِّم أَحَقُّ بِنفسِها من وليِّها، والبِكْر تستأذنُ في نَفْسِها، وإذنُهَا  صِماتُها».[22]
    • وجه الدَّلالة:  فقد نهى ﷺ عن إنِكاح البِكْر حتى تُستأْذَنَ، والنَّهي يقتضي التَّحريم، وظاهرُه  العموم في كلِّ بِكْر، وفي كلِّ وليِّ، لا فرقَ بينَ أبٍ ولا غيرِه.[23]
  • عن عائشةَ، عن النَّبي ﷺ قال: «اسْتَأْمِرُوا النِّسَاءَ فِي أَبْضَاعِهِنَّ»، قيل: فإنَّ البِكْر تَستَحيي  فتسكتْ، قال: «هو إِذنُها».[24]
  • عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنه «أنَّ جاريةً بكراً أتتْ النَّبيَّ ﷺ وقد ذكرت أنَّ أباها زوَّجها وهي كارهةٌ فخيَّرها  النَّبيُّ ﷺ».[25]
  • حديثُ الخنْساء «فأنَّهُا جاءت إلى النَّبي  فقالت: إنَّ أبي زوَّجني من ابن أخيه وأنا لذلك  كارهةٌ فقال ﷺ: أجيزي ما صنَع أبوكِ، فقالت ما لي رغبةٌ فيما صنَع أبي، فقالَ  : ﷺ اذهبي فلا  نِكاح لكِ،  انكِحي مَن شِئتِ، فقالت: أجزتُ ما صَنَعَ أبي، ولكنّي أردتُ أن يعلم النِّساء أن ليسَ للآباء من أمور بناتِهم شيءٌ»[26]، ولم يُنْكْرْ عليها رسول الله ﷺ .
    • ووجه الدَّلالة : في هذه الأحاديث دلَّت على أنَّهُ لا يجوز إجبار البِكْر على النِّكاح، فكان ردُّ رسول الله ﷺ النِّكاح دلالةً صريحةً واضحةً على عدم جواز ذلك.

ج ـ المعقول:

فلا ولايةَ له أن يتصرَّف في أقلِّ شيءٍ من مال البِكْر البالغةِ إلا بإذنها، وكلُّ المال دون النَّفس، فكيفَ يملكُ أنْ يخرجَها قسراً إلى من هو أبغضُ الخلقِ إليها ويملّكه رِقَّها؟ ومعلومٌ أنَّ ذهابَ جميعِ مالِها أهونُ عليها من ذلكِ. فهذا مما ينبو عنه قواعدُ الشَّرعِ.[27]

خامساً: مناقشةُ الأدلَّة

مناقشة أدلَّة أصحابِ القول الأوَّل:

  • ما استَدُلُّوا به من قولهِ ﷺ :«الثَيِّب أحقُّ بنفسِها من وليِّها، والبِكْرُ يَسْتَأْمِرُها أبوهَا في نَفْسِها» باعتبار أنَّهُ خصَّ الثَيِّب  بأنَّهُا أحقُّ، فأفادَ أنَّ البِكْر ليست أحقُّ بنفسِها منه، فاستفادةُ ذلك بالمفهوم وهو ليسَ حُجَّةً عندنا، ولو سَلِم فلا يُعارضُ المفهومَ الصَّريحَ الذي ذكرناه من ردِّه، ولو سَلم فنفس نُظمِ باقي الحديث يخالفُ المفهومَ وهو قولهُ ﷺ :«والبِكْر يَسْتَأمرُها»؛ إذ وجوبُ الاستئمار على ما يفيده لفظُ الخبرِ منافٍ للإجبار؛ لأنَّهُ طلبَ الأمر أو الإذن، وفائدته الظَّاهرة ليست إلا ليستعلمَ رضاها أو عدمُه، فيعملُ على وفقهِ، هذا هو الظَّاهرُ من طلبِ الاستئذان فيجبُ البقاء مَعه وتقديمُه على المفهومِ لو عارضه.[28]
    • والحاصلُ من لفظِ إثبات الأحقيَّة للثيِّب بنفسِها مطلقاً، ثم أثبت مثله للبكر حيثُ أثبتَ لها حقَّ أنْ تُستأمَر، وغايةُ الأمرِ أنَّهُ نصٌّ على أحقيَّةِ كلٍّ من الثَيِّب والبِكْر بلفظٍ يخصُّها كأنَّهُ قال: الثَيِّب أحقُّ بنفسِها والبِكْر أحقُّ بنفسِها أيضاً، غيرَ أنَّهُ أفاد أحقيَّة البِكْر بإخراجِه في ضِمن إثباتِ حقِّ الاستئمارِ لها. وسببُه أنَّ البِكْرَ لا تخطب إلى نفسِها عادةً بل إلى وليِّها، بخلاف الثَيِّب، فلمّا كانَ الحالُ أنَّهُا أحقُّ بنفسِها, وخِطبتُها تقعُ للوليِّ, صرَّحَ بإيجابِ استئماره إيَّاها, فلا يفوت عليها بتزويجها قبل أنْ يظهر رضاها بالخاطب، ويُعضُد هذا المعنى الروايةُ الأخرى الثَّابتة في صَحيح مسلمٍ وأبي داود والتِّرمذيِّ والنّسائيِّ ومالكٍ في الموطّأ:
    •  «الأيِّمُ أحقُّ بنفسِها من وليِّها، والبِكْر تُستأذنُ في نفسِها، وإذنُها صماتُها» والأيِّمُ مَن لا زوج لها بكراً كانت أو ثيِّباً على ما ذكرناه قريباً، فأنَّهُا صريحةٌ في إثباتِ الأحقيّة للبكْرِ ثمَّ تخصيصها بالاستئذان، والذي صحَّ عنه ﷺ كما مرَّ فلا يجوز العدول عنه. وفي سنن النَّسائيِّ عن عائشةَ – رضي الله عنها – «أنَّهُا أخبرت أنَّ فتاةً دخلتْ عليها فقالت: إنَّ أبي زوَّجني ابنَ أخيه ليرفَع خَسيستَهُ وأنا كارهةٌ، فقالت اجلسي حتى يأتيَ رسول الله ﷺ، فجاء رسول الله ﷺ فأخبرتْه،  فأرسل إلى أبيها  فجعل الأمرَ إليها، فقالت: يا رسول الله قد أجزتُ ما صَنَعَ أبي، وإنَّما أردتُ أنْ أُعلمَ النساءَ أنْ ليس إلى الآباء من الأمرِ شيءٌ»[29] وهذا يفيدُ بعمومِه أنْ ليس له المباشرةُ حقَّاً ثابتاً بل استحبابا.[30]
  • وفيه دليلٌ من جهةِ تقريرهِ ﷺ قولَها ذلك أيضاً، وهو حديثٌ حجَّةٌ، وما قيل هو مرسَلٌ ابن أبي بردة فالمرسَل حجَّةٌ، وبعد التَّسليم فليسَ بصحيحٍ، فإنَّ سنَد النّسائيِّ قال: حَدَّثَنا زيادٌ بن أيُّوب عن علي بن عُراب عن كهمس بن الحَسن عن عبد الله بن بُريدة، ورواه ابن ماجه.[31]
  • أمَّا الصَّريحُ ففي سُنن أبي داود والنَّسائيِّ وابن ماجه ومُسند الأمَّام أحمدَ من حديثِ ابن عباسٍ – رضي الله عنهما – «أنَّ جاريةً بكْراً أتتْ رسول الله ﷺ فذكرتْ أنَّ أباها زوَّجها وهِيَ  كارِهةٌ فخيَّرها النَّبي ﷺ»[32] وهذا حديثٌ صحيحٌ. فأنَّهُ عن حسين: حَدَّثَنا  جريرٌ عن أيُّوب عن عِكرمة عن ابن عباس، وحسين هو ابن مُحمَّد المروزيّ أحد المُخرَّج لهم في الصَّحيحين، وقول البيهقيِّ:« أنَّهُ مرسَلٌ لرواية أبي داود إياه من حديث مُحمَّد بن عبيد عن حماد بن زيد عن أيُّوب عن عكرمة مرسلا، ونقل ابن أبي حاتم عن أبيه تخطئة الوصل لرواية حماد هذه، وابن علية عن أيُّوب عن عكرمةَ عن النبي ﷺ مرسلاً، ونسبة الوهمِ في الوصل إلى حسينِ لأنَّهُ لم يروه عن جريرٍ غيرُه»[33] مردود.[34]
    • قال ابن القطّان: حديثُ ابن عباسٍ هذا صحيحٌ، وليستْ هذه «خنْساء بنتُ خَذَام التي زوَّجها أبوها وهي ثيِّب فكرهته، فردَّ النَّبُي ﷺ نِكاحه» ، فإنَّ هذه بِكْرٌ وتلكَ ثيِّبٌ.[35]
  • على أنَّهُ رُوي أنَّ خنساءَ أيضاً كانت بكراً، أخرَج النّسائيُّ في سنَنِه حديثَها وفيه أنَّهُا كانت بكراً. ورواه عن عبدِ الله بن يزيد «عن خنساء قالت: أنكحَني أبي وأنا كارهةً وأنا بِكْر، فشكوتُ ذلك إلى النَّبي ﷺ» . لكنَّ روايةَ البخاريّ تترجَّح.[36]
  • وأخرَج الدّار قُطنيّ عن شُعيب بن إسحاق عن الأوزاعيِّ عن عَطاء عن جابر «أنَّ رجلاً زوَّج ابنتَه وهي بِكْرٌ من غيرِ أمرِها، فأتتْ النَّبيَّ ﷺ ففرَّق بينهما»[37]، فهذا عن جابرٍ، وهمَّ شعيبٌ في رفعه قال: والصحيحَّ أنَّهُ مرسَلٌ، وبه يتمُّ مقصودُنا، إمَّا لأنَّهُ حجَّة وإمَّا لأنَّنا ذكرناه للاستشهاد والتَّقوية. وأحاديث أُخرُ رُويت عن ابن عمرَ وعائشةَ وإنْ تكلَّم فيها.[38]

مناقشةُ أدلَّة أصحابِ القولِ الثَّاني:

  • حديثُ اليتيمة: وفي هذا الخبر دليلٌ على أنَّ المرادَ بالبِكْر التي تُستأذن اليتيمة يُزوِّجها غيرُ الأبِ والجدِّ، بعد بلوغِها بإذنها، ويُقنَعُ منها بالسُّكوت حينئذٍ في الإذنِ في ظاهرِ المذهب.
    • والمرادُ فيه بالبِكْر اليتيمةَ بدليلِ روايةِ مُحمَّد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ :«تستأمرُ اليَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا، فَإِنْ سَكَتَتْ فَهوَ إِذْنُهَا، وإنْ أبتْ فلا جَوَازَ  عَلَيْهَا ».[39]
  • أمَّا حديثُ ابن عباس رضي الله عنهما « أنَّ جاريةَ بكراً أتتْ النَّبي ﷺ فذكرتْ له أنَّ أباها  زوَّجها وهي كارِهةٌ، فخيَّرها رسول الله ﷺ».[40]
    • يقال: إنَّ هذا الخبرَ في الأصل مرسَلٌ، وكلُّ من ذَكرَ في الإسنادِ ابنَ عباسٍ رضي الله عنهما فقد وَهِمَ. قالوا: وهذا ممَّا أخطأ فيه جرير على أيُّوب، والمحفوظ: عن أيُّوب عن عكرمةَ مُرسلاً.
    • ورواه أبو داودَ عن مُحمَّد بن عبد الرحمنِ عن حماد بن زيد عن أيُّوب مرسلاً، وقال: ” هذا رواه النَّاسُ مرسلاً معروفاً “.[41]

التَّرجيح:

يَظهر رجحان القولِ الثَّاني، وأنَّ البِكْر البالغَ لا يجوزُ إجبارها على النِّكاح؛ لقوَّة أدلَّتهم وصراحتِها، و للأسباب الآتية:

  • أنَّهُ موافقٌ لحكمِ رسول الله ، فأنَّهُ حكمٌ بتخيير البِكْر الكارهة، كما في حديث ابن عباسٍ  رضي الله عنهما.
  • أنَّهُ موافقٌ لأمره ، فأنَّهُ قال: « والبِكْر تَستأذن»، وهذا أمر مُؤكَّد، لأنَّهُ وردَ بصيغة الخَبَر الدالِّ على تحقُّقِ المخبرِ بِه وثبوتهِ ولزومِه، والأصلُ في أوامره  أن تكون للوجوب، ما لم يقم إجماعٌ على خلافه.
  • أنَّهُ موافق لنهيه ، وهو الوارد في قوله: «لا تُنكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأذَنَ» فَأمَرَ ونَهَى، وحكَم بالتَّخيير، وهذا إِثباتٌ للحكم بأبلغ الطُّرق.
  • أنَّهُ موافقٌ لقواعد شرعِه ، فإنَّ البِكْر البالغة العاقلة الرَّشيدة لا يتصرَّف أبوها في أقلِّ شيءٍ من مالِها إلا برضاها، فكيف يجوزُ أن يُرِقّها، ويخرجَ بُضعَها منها بغير رِضاها إلى من يريده هو، وهي من أكره النَّاسُ فيه، وهو مِن أبغض شيءٍ إليها؟

هل كان المقال مفيداً؟

585 مشاهدة