حكم الاختلاط في الاسلام - ويكي عربي

حكم الاختلاط في الاسلام

كتابة: د. نور ابو جامع - آخر تحديث: 15 فبراير 2021
حكم الاختلاط في الاسلام

الاختلاط في الاسلام

سنتطرقُ في مبحثِ حكم الاختلاط في الاسلام لمفهومِ الاختلاط  عندَ علماءِ اللُّغةِ والفقهِ ، لأنَّ لها معانٍ عديدةٍ ومفاهيمَ مختلفةٍ في كلِّ مجالٍ اسْتخدِمْت فيه، وسنوضحُ ما سبقَ حسبَ الآتي:

الاختلاط  لغةً وإصطلاحاً

أولاً: مفهومِ الإختلاط لغةً :

ترِدُ كلمةُ الاختلاط في معاجمِ  اللغةِ  في معانٍ عدةِ وهي: ضم وجمع، واشتباك، والشك، وامتزاج، وتداخل، و معاشرة، والجماع، وسنعرِضُ ذلكَ على النَّحوِ الآتي: فقد جاء في كتاب العين: « خلط: اختَلَطَ الشيء بالشيء وخَلَطتُه خَلْطاً، وخَلِطٌ مُختلطٌ بالناس مُتَحبَّبٌ، ونُهِيَ عن الخليطَيْن في الأَنْبِذة، وهو أن يُجْمَع بين صنفَيْن تمرٍ وزبيبٍ أو عنبٍ ورطبٍ، وقيل وأَخْلَطَ الفحل إذا خالط، وأخلطه الرجل »[1]

وجاء في كتاب المحكم والمحيط الأعظم : «خالط الشَّيءَ الشَّيْء مُخالطةً وخِلاطاً: مازجه، وخالطه الداءُ خِلاطا: خامره، و ويقال خالط الذِّئْب الْغنم خِلاطا: أي وَقع فِيهَا، وخالط الرّجل امراته خِلاطا: أي جَامعهَا، واخلط الفَحلُ: أي خالط الْأُنْثَى».[2]

وعرفه المعجم الوسيط: « خلط الشيء بالشيء خلطا ضمه إليه، وقد يمكن التمييز بعد ذلك كما في الحيوانات أو لا يمكن كما في بعض المائعات والقوم داخلهم، وقيل اختلط عقله: فسد والشيء بالشيء خالطه ويقال اختلطوا في الحديث اشتبكوا ، يضرب للقوم يقعون في التخليط من أمرهم».[3]

,جاء في كتاب معجم اللغة العربية المعاصرة: « اختلط الشَّيءُ بالشَّيء: امتزج به، تداخل معه، وقيل اختلط فلانٌ مع جيرانه: عاشرهم، صاحبهم، يُضرب في اضطراب الأمور، قال تعالى: ﴿ مَا حَمَلَتۡ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلۡحَوَايَآ أَوۡ مَا ٱخۡتَلَطَ بِعَظۡمٖۚ﴾[الأنعام:146]، اختلط عليه الأمرُ: أشكل وخَفِي? مسألة مختلِطة: مُعقَّدة، فيها لبسٌ أو إشكال».[4]

ثانيًا: تحديدُ مفهومِ الاختلاط اصطلاحًا:

لقد عرف عبد الملك السعدي بأنه: « اختلاط جنسي الذكور والاناث بمختلف الوجوه، كالاختلاط في الدراسة الجامعية، أو في ميادين العمل بالدوائر الرسمية والمحلات التجارية، والشركات، والمعامل زعير ذلك».[5]

,عرف المقدم الاختلاط بHنه: « اجتماع الرجل بالمرأة التي ليست بمحرم له اجتماعًا يؤدي إلى ريبة، أو: هو اجتماع الرجال بالنساء غير المحارم في مكان واحد يمكنهم فيه الاتصال فيما بينهم بالنظر، أو الإشارة، أو الكلام، أو البدن من غير حائل أو مانع يدفع الريبة والفساد».[6]

وعرف البداح الاختلاط بأنه : «هو اجتماع الرجال بالنساء في أماكن العمل والتعليم، والحفلات، والاجتماعات، ونحوها مما يدحل في دائرة الاجتماعات المنظمة المقننة».[7]

وعرف أبو يحيي الاختلاط بانه: « اجتماع رجل أجنبي أو أكثر بامرأة أجنبية في مكان  لا يأمنون فيه الفتنة».[8]

وعرفه آخرون: «بانه اللقاء المباشر المقصود بين الجنسين غير المحارم مع إمكان التحرز منه».[9]

وعرفه القحطاني بأنه: « انضمام واجتماع ومداخلة الرجال بالنساء غير المحارم في مكان واحد يمكنهم فيه الاتصال فيما بينهم: بالنظر، أو الإشارة، أو الكلام، أو البدن من غير حائل أو مانع يدفع الريبة والفساد»[10]

وعرفه البعض بأنه: « اجتماع النساء بالرجال اجتماعًا خاصًا أو عامًا يحدث بسببه الافتتان»[11]

وعرفه أبن باز بأنه: « اجتماع الرجال بالنساء الأجنبيات في مكان واحد بحكم العمل أو البيع أو الشراء أو النزهة أو السفر أو نحو ذلك، لأن اقتحام المرأة هذا الميدان يؤدي بها إلى الوقوع في المنهي عنه، وفي ذلك مخالفة لأمر الله وتضييع لحقوقه المطلوب شرعاً من المسلمة أن تقوم بها».[12]

وبالنظر إلى مفهوم الاختلاط عند العلماء نجد أنهم أتفقوا من حيث المعنى وإن اختلفوا في صياغتهم، بانه اجتماع الرجال والنساء في مكان خاص أو عام، بقصد الفتنة بما يودي الى الفساد المجتمع، وهذا غير دقيق، لأنه تعريف جامع غير مانع، وخاصة أن بعضهم نوه على الأمكنة  العمل والتعليم، وهذه امكنة قطعا ليست مكان للريبة أو التهمة، لأنها معدة لتحقيق الغاية أو الغرض المقامة لأجله، وليس المقصد منها الفساد ونشر الفتنة، فلا نستطيع القول أن تواجد الرجال والنساء في هذه الأمكنة محل وقعهم بالشبهة أو التهمة

فهناك فرق بين الاختلاط الذي يكون القصد والغاية منه التبرج الاغراء، كالحفلات والمدرجات الرياضية وغيرها، وبين الامكنة التي تكون معدة لغرض العمل والتعلم ضمن ضوابط الشرعية وهذا ما سنتطرق إليه في المباحث القادم بأذن الله تعالى، فيرى الباحث  إن  لابد من تفريق بين الاختلاط المحرم ومنهي عنه والاختلاط المباح ، فيمكن تعريف الاختلاط : «بانه تواجد الرجال والنساء في أمكنة عامة غير مشبوهة لتحقيق منفعة مشروعة ضمن ضوابط  شرعية»

شرح التعريف:

  • إشتراط أن يكون مكان عامة لخارج الأمكنة الخاصة والمغلقة.
  • اشتراط  أن نكون غير مشبوهة فقد تكون أمكنة عامة ومعروفة لكن القصد منها الفتنة والتبرج مثل المدرجات الرياضية، ونوادي تعليم الرقص وغيرها.
  • اشترط أن يكون مكان الاختلاط لتحقيقه منفعة مشروعة أي مباحة شرعا مثل التعليم، ذهاب إلى المستشفيات، العمل لأجل الرزق وغيرها.
  • اشتراط الضوابط الشرعية لمنع التبرج وظهار الزينة وعدم الاحتشام من الرجال والنساء “فيشترط لاختلاط أن يكون اللبس شرعي”

ويقول الدكتور القرضاوي في كتابة ملامح المجتمع المسلم: «أن اللقاء بين الرجال والنساء في ذاته إذن ليس محرما، بل هو جائز أو مطلوب إذا كان القصد منه المشاركة في هدف نبيل، من علم نافع أو عمل صالح، أو مشروع خير، أو جهاد لأزم، أو غير ذلك مما يتطلب جهودًا متضافرة من الجنسين، ويتطلب تعاونا مشتركا بينهما في التخطيط والتوجيه والتنفيذ»[13]

الفرق بين الخلوة والاختلاط في اللغة والاصطلاح

وبعدَ استعراضِ معنى الاختلاط ولغةً واصطلاحاً عند العلماء،  سأتناول في هذا المبحثِ مفهومَ الخلوة لغةً واصطلاحًا، ثم سأتناولُ الفرق بين الخلوة والإختلاط كمصطلحٍ  وسنوضحُ ما سبقَ حسبَ الآتي:

أولا: تحديدُ مفهومِ الخلوة لغةً :

  • جاء في معجم مقاييس اللغة: « الخاء واللام والحرف المعتل أصل واحد يدل على تعري الشيء من الشيء،  يقال هو خلو من كذا، إذا كان عروا منه،  وخلت الدار وغيرها تخلو ».[14]
  • وجاء في تهذيب اللغة: « الخلو من خلا المكان، وأخلى إذا لم يكن فيه أحد، ولا شيء فيه وهو خال، ويقال الخلاء من الأرض، واستخليت الملك فأخلاني أي: خلا معي، وخلا بي، وأخلى لي مجلسه، ويقال : فلان يخلو بفلان أي إذا خادعه»[15]
  • وجاء في كتاب تاج العروس: «الخلاء والخلو، المصدر، والخلوة، الاسم، وأخلى به، كخلا، ويقال تركته مخليا لفلان، أي: خاليا به، وخلا الرجل، وأخلى: وقع في موضع خال لا يزاحم فيه، وخلا لك الشيء، وأخلى لك: فرغ، واخلى المكان: جعله خاليا، وأخلاه: وجد كذلك»[16]
  • وجاء في كتاب أساس البلاغة : «خل وخلا المكان خلاء، وخلا من أهله، وعن أهله، وخلوت بفلان وإليه ومعه خلوة، وخلا بنفسه: انفرد وخلا لك الجو، ومكان خلاء، وبات في البلد الخلاء، والأرض الفضاء، وهو خلو من هذا الأمر، وهي خلوة، وهم أخلاء، وهو خلي من الهم»[17]

ثانيًا: تحديدُ مفهومِ الخلوة اصطلاحًا:

تناول الفقهاء الألفاظ  متعددة في معنى الخلوة وكلها  تدور حول  انفراد الزوج بزوجته في مكان مغلق وفيها ارخاء الستر، ولم يتناول الفقهاء الخلوة الرجل بامرأة بأجنبية ولكنهم تناولوا حكم  انفراد بإمراه الاجنبية، سنتطرق إلى أقوالهم على النحو آتي:

  • عند السادة الحنفية: الخلوة « هو انفراد الزوج بزوجته في مكان لا يكون ثم مانع من الوطء طبعا وشرعا»[18]
  • عند السادة المالكية: الخلوة « هو أن يخلو كل واحد من الزوجين بالأخر، بحيث يسكن واطمأن إليه،  وإرخاء مستور أو غلق باب»[19]
  • عند السادة الشافعية: «  الخلوة عندهم من أغلق بابا أو أرخى سترا »[20]
  • عند السادة الحنابلة: « انفراد الرجل بالمرأة بحيث لا يطلع على ما يجري بينهما»[21]
  • يرى الباحث أن الخلوة: «هو تعمد انفراد الرجل بإمرأة بمقصد تحقيق غاية بذاتها»

ثالثًا: الفرق بين الخلوة والاختلاط

الفرق من حيث اللغة

جاء الاختلاط بمعنى تداخل شيئين معًا بحيث يصبحا شيئا واحدا، بحيث لا  تستطيع تمييز بينهما، مثل خلط اللبن بالماء، وقيل اختلاط شيئين مختلفين معًا، مثل خلط تمرٍ وزبيبٍ والذئب و الغنم وأيضا خلط الشيء بالشيء خلطا ضمه إليه، بينما الخلوة جاءت بمعنى خلو الشيء من الشيء كخلو الأرض من سكانها، وقيل الخلوة بمعنى التخلي عن أمر أو عن شيء أي تركه، فالفرق بين الاختلاط والخلوة في اللغة شاسع حيث أن الاختلاط هو ضم ودمج واحتواء بين الأشياء، بينما الخلوة سكون وترك وانفراد

الفرق من حيث الاصطلاح

من الملاحظ بأن هناك فرق جوهري بين الاختلاط والخلوة في الاصطلاح وهي على النحو آتي:

  • الاختلاط هو اجتماع الرجال و النساء في اماكن العامة أو الخاصة، بينما الخلوة هو انفراد بين الرجل والمرأة في امكنة خاصة ومغلقة ، فالاختلاط اعم من الخلوة .
  • الاختلاط  يكون لأسباب المتعددة  منها : العلاج ، العمل، التعليم  وغيرها، بينما الخلوة عكس ذلك.
  • الاختلاط  يكون غير جائز اذا لم يكن منضبط بضوابط الشرعية،  الخلوة يكون مباحا بين الزوجين، والمحارم الزوجين، وغير جائزة بين الرجل  والمرأة الاجنبية.
  • الاختلاط قد يكون على منفعة مشروعة بين الرجل والمرأة الاجنبية فحالة التعليم، وعلاج في حالة الضرورة وغيرها، بينما الخلوة غير ذلك
  • الاختلاط غير متعمد وغير مقصد لذاته بينما الخلوة متعمدة مقصدة لذاتها

المقصود بالضابط الشرعي.

أولاً: تحديدُ مفهومِ الضابط لغةً.

جاء في معاجم اللغة :« الضابط اسم فاعل مشتق من الفعل ضَبَطَ ، ومصدره الضَّبْطُ: أي لزوم شيءٍ لا يفارقه في كلِّ شيءٍ، وحَبْسُه ضَبَطَ عليه، وقيل ضبط الشيء حفظه بالحزم ، ورجل  ضابط أي حازم، وشديد البطش، والقوة والجسم، والأضبط: الذي يعمل بكلتا يديه، تقول منه: ضبط الرجل بالكسر يضبط، والانثى ضبطاء»[22]

ثانيًا: تحديد مفهوم الضابط اصطلاحًا

لقد تباينت اراء الفقهاء  على فرقين في تحديد مفهوم الضابط الشرعي فمنهم من عرف القاعدة على أنها ضابط ومنهم من فرق بين القاعدة والضابط، وسنتطرق إلى ذلك على النحو لآتي :

الفريق الأول:  لم يفرق بين الضابط و القاعدة وجعلهم مترادفان في معنى فذهب إلى قول :  الْقَاعِدَة كالضابط والقانون وَالْأَصْل والحرف ، فَهِيَ أَلْفَاظ مترادفة اصْطِلَاحا، وَإِن كَانَت فِي لمعان مُخْتَلفَة.[23]

وعرفوا الضابط بمعنى القاعدة : « وهي الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئياته، فالقاعدة: قضية كلية يدخل تحتها جزئيات كثيرة، وتحيط بالفروع والمسائل من الأبواب المتفرقة».[24]

الفريق الثاني: فرق بين الضابط الشرعي وبين القاعدة: حيث جاء في كتاب الأشباه والنظائر: «أن القاعدة تجمع فروعا من أبواب شتى، والضابط يجمعها من باب واحد، هذا هو الأصل».[25]

ولقد عرف ابن السبكي الضابط : « هو ما اختص بباب وقصد به نظم صور متشابهة ».[26]

فيكون المقصد من الضابط هو معناه اللغوي،« فكل ما ضبط وحبس بحيث يزيل الإشكال وريبة فهو ضابط» إلا فهو قاعدة، مثل ذلك ما ذكر ابن السبكي في كتابه الاشباه والنظر: فالقاعدة « اليقين لا يزول بالشك» فهذا قاعدة عامة تنطبق على جميع  الفروع الفقهية، وبينما الضابط الذي يمكن حصره « كل كفارة سببها معصية فهي على الفور » فهذا ضابط لأنه يخص فرع معين بذاته.[27]

ثالثًا: الضوابط التي يستند عليها للاختلاط

تبين سابقا من خلال تعريف معنى  الاختلاط انه  يقسم إلى قسمين: محرم وجائز، ذلك حسب موافقته للضوابط الشرعية وعدم موافقتهن فما هي الضوابط الشرعية الاختلاط :

  • الضابط الأول: «ما لا يمكن التحرز منه»[28]:  أي يكون امر الاختلاط لا يمكن التحرز منه،  بحيث يستحال وجود امكنة خالية من الرجال أو النساء، فتضطر المرأة بسبب حاجته  للعلاج أو بسبب حاجته  ملحة للعمل، أو التعليم ، فاذا كان يمكن التحرز عنه يحرم الاختلاط
  • الضابط الثاني: «الحاجة تنزل منزلة الضرورة، عامة كانت أو خاصة»، الحاجة تتنزل فيما يحظره ظاهر الشرع منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة، وتنزيلها منزلة الضرورة في كونها تثبت حكما، وإن افترقا في كون حكم الأولى مستمرا وحكم الثانية موقتا بمدة قيام الضرورة إذ الضرورة تقدر بقدرها.[29]
  • الضابط الثالث: « وكل محظورٍ مع الضرورةْ … بقَدْرِ ما تحتاجه الضرورة»، المقصود أن كل فعل جوِّز للضرورة إنما جاز ذلك الفعل بالقدر الذي يحصل به إزالة تلك الضرورة، ولا يجوز الزيادة عن هذا الحدّ، ومعرفة ذلك راجعة إلى المتضرر نفسه.[30]

تعليق الباحث: من خلال الضوابط السابقة التي تعتبر استثناءات من أصل عامة، بناءً على الضرورة، فاذا انتفت الضرورة يعود الحكم إلى الاصل، فاذا وجدت الجامعة غير مختلطة فيحرم الاختلاط، واذا وجدت طبيبة يحرم الذهب إلى الطبيب، واذا جدة مكانة للعمل خالا من الرجال يحرم العمل في الاماكن الاختلاط وهكذا فيكون الضابط الشرعي هو : «الضرورة المحلة» هي على أمرين:

  • أن تكون هناك ضرورة  للتعليم الجامعة، بحث يكون المجتمع بحاجة إلى طبية نسائية والمعلمة للتدريس الفتيات.
  • خلو الدولة من امكنة خاصة للنساء للتدريس الجامعي، بحيث تكون جميع الجامعات مختلطة وهذا ما لا يمكن التحرز عنه.
  • أما الضوابط الشرعي الجائزة للاختلاط سنتطرق إليه الثالث بأذن الله تعالى.

هل كان المقال مفيداً؟

719 مشاهدة