شرع من قبلنا | ويكي عربي، أكبر موقع عربي

شرع من قبلنا

شرع من قبلنا

تعريف شرع من قبلنا

شرع من قبلنا – مَسْأَلَة شرع من قبلنَا المقصود بها هو هَل كَانَ نَبينَا ﷺ متعبداً بشرع من قبله قبل بعثته مُطلقًا أَو آدم أَو نوح أَو ابراهيم أَو مُوسَى أَو عِيسَى عَلَيْهِم السَّلَام أَو لم يكن متعبدا بشرع من قبله، وَتعبد بعد بعتثه بشرع من قبله فَيكون شرعا لنا، وهنا سنتناول مفهومه وانواع شرع من قبلنا واقوال الفقهاء في ذلك.[1]

مفهوم الشرع

شرع لغة

شرع الشَريعَةُ: مَشْرَعَةُ الماءِ، وهو موردُ الشاربةِ. والشَريعَةُ: ما شَرَعَ الله لعباده من الدين. وقد شَرَعَ لهم يَشْرَعُ شَرْعاً، أي سن. والشارع: الطريق الأعظم. وشرع المنزل، إذا كان بابه على طريقٍ نافذ[2] يُقَالُ: شَرَعَ لَهُمْ يَشْرَعُ شَرْعاً فَهُوَ شَارِعٌ. وَقَدْ شَرَعَ اللهُ الدِّينَ شَرْعاً إِذَا أظهَره وبيَّنه.[3]

شرعاً

عرفه صاحب معجم مصطلحات أصول الفقه : شرع من قبلنا : بأنه الأحكام ألتكليفيه التي شرعها الله عز وجل للأمم السابقة بواسطة أنبيائهم عليهم السلام، الذين أرسلوا إليهم[4]

عرفه صاحب معجم  المصطلحات والألفاظ الفقهية شرع من قبلنا : هو ما جاء به الرسل من الشرائع إلى الأمم التي أرسلوا إليها قبل  بعث النبي صلى الله عليه وسلم ونقل إلينا بخبر صحيح[5] وعرفه صاحب المهذب في علم أصول الفقه: شرع من قبلنا هو ما نقل إلينا من أحكام تلك الشرائع التي كانوا مكلفين[6]

و قال في لجامع لمسائل أصول الفقه : المراد بشرع من قبلنا هو: ما نقل إلينا من أحكام تلك الشرائع التي كانت الأمم السابقة قد كلفت بها على أنها شرع لله تعالى.[7]

عرفه صاحب تيسيرُ علم أصول الفقه : هو الأحكام التي شرعها الله تعالى للأمم السابقة على ألسنة رسله إليهم، كشرائع أهل الكتاب.[8]

عرفه صاحب كتاب أصُولُ الِفقهِ الذي لا يَسَعُ الفَقِيهِ جَهلَهُ : المراد بشرع من قبلنا: ما نقل إلينا بطريق صحيح من الشرائع السماوية السابقة[9]

قال صاحب الوجيز في أصول الفقه : الأحكام التي شرعها الله تعالى لمن سبقنا من الأمم وأنزلها على أنبيائه ورسله لتبليغها لتلك الأمم[10] 

عرفته الموسوعة الفقهية الكويتية: الشرع : ما سنه الله لعباده من الدين وأمرهم بإتباعه ، ومن قبلنا :  هم الأنبياء المرسلون قبل نبينا إلى الأمم السابقة.[11]

فشرع من قبلنا هو: ما جاء به الرسل من الشرائع إلى الأمم التي أرسلوا إليها قبل مبعث النبي.

وحدة الشرائع السماوية

الشرائع السماوية كلها من مصدر واحد، وهو الله سبحانه وتعالى، فهي لهذا متحدة الأصول. فلا تختلف في أصول الدين، كوحدانية الله، ووجوب إخلاص العبادة له. والإيمان بالبعث، والجنة، والنار، والملائكة، وغير ذلك من أصول الدين، قال الله تعالى لنبيه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾[12]

اختلاف الشرائع في الفروع

الشرائع السماوية قد تختلف في الأحكام الفرعية حسب اختلاف الزمن والبيئات، وبسبب ظروف وملابسات خاصة بأمة من الأمم فتحرم بعض أمور على أمة لأسباب خاصة بها، كما حرم على اليهود بعض أجزاء الحيوان، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ[13][14]

أنواع شرع من قبلنا 

أحكام شرعت للأمم قبلنا، وجاء الكتاب أو السنة بجعلها تشريعا لهذه الأمة قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[15]﴾، فهذا النوع حجة دون شك فقد كلف به المسلمون بنص الكتاب أو السنة.[16]

أحكام شرعت للأمم قبلنا، وجاء الكتاب أو السنة ببيان كونها منسوخة لم تشرع لهذه الأمة كما في قوله تعالى في تحية أهل يوسف له: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾[17] فهذا النوع منسوخ في شريعتنا لهذه الأمة، ومن الدليل على نسخه قوله ﷺ : «ما ينبغي لأحد أن  يسجد لأحد، ولو كان أحد ينبغي أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، لما عظم الله عليها من حقه»[18] وكثير من التشديد في الشرائع كان على من قبلنا الأمم وضعه الله تعالى عن هذه الأمة تخفيفا منه ورحمة، فاستجاب قول المؤمنين:﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾[19]، وقال في صفة النبي صلى الله عليه وسلم: ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعاً لهم وصرح في شرعنا بنسخة كالإصر والأغلال التي كانت عليهم كما في قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ﴾[20]، يريد بذلك أهل الكتاب، فهذا النوع ليس بتشريع لنا بلا خلاف.[21] 

أحكام عن الأمم قبلنا لم يرد لها ذكر في كتاب ولا سنة، كالذي يوجد عند أهل الكتاب مما يرونه دينا من الشرائع التي لا تعلم إلا من طريقهم ولم تبطلها شريعتنا.[22]

فهذا النوع ليس بتشريع لنا بلا خلاف، والأمر موقوف في تصديقه أن يكون من شرائع الله أو ليس منها، كما في:

أـ  حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: ” لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا﴾[23].[24]

ب ـ عن عبد الله بن عباس قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على  رسول الله – r- أحدث، تقرأونه محضا لم  يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا؟ ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم لا والله، ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم[25]

أحكام جاءت بها نصوص الكتاب والسنة، ولم يأت دليل على اعتبار هذا الحكم شرعا لنا أو ليس بشرع كذلك.

فهذا النوع هو موضع اختلاف العلماء: هل يعد من أدلة التشريع، أو ليس منها؟

أقوال العلماء في حجية شرع من قبلنا

أحكام جاءت بها نصوص الكتاب والسنة، ولم يأت دليل على اعتبار هذا الحكم شرعا لنا أو ليس بشرع كذلك فهذا النوع هو موضع اختلاف العلماء: هل يعد من أدلة التشريع، أو ليس منها

على مذهبين: هو شرع لنا، وهذا مذهب الجمهور، ليس شرعا لنا، وهذا المذهب قول للشافعية والحنابلة.[26] ومسألة الخلاف في شرع من قبلنا على صورتين وهما :

  1. تعبد النبي عليه السلام بشرع من قبلنا قبل بعثته، وهذا النوع غير مطلوب في هذا البحث فلن أتكلم عنه
  2. حجية شرع من قبلنا بعد  بعثة النبي عليه السلام، وهذا هو المطلوب.
  • تحرير محل النزاع

اتفق العلماء على أن الأحكام الشرعية التي نص عليها القرآن أو السنة حكاية عن الأمم السابقة، وأقرها الله تعالى علينا  أنها أحكام شرعية واجبة الإتباع بالنسبة للمسلمين، مثل قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[27][28]

اتفق العلماء على أن الأحكام الشرعية التي ورد فيها نص في القرآن الكريم أو في السنة حكاية عن تشريع الأمم السابقة مع نسخها وإلغائها في شريعتنا، أنها ليست أحكاما شرعية، ولا تعتبر دليلا ولا حجة ولا شرعا لنا، مثل قتل النفس للتوبة وقطع الثوب النجس للطهارة عند بني إسرائيل.

اختلف العلماء إذا قص القرآن الكريم حكما أو ثبت في السنة، ولم يرد في القرآن الكريم أو السنة ما يدل على إقراره أو إلغائه مثل قوله تعالي: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾[29]، في اعتبارها حجة ومصدرا تشريعيا.[30]

  • سبب اختلافهم

وهو محل الخلاف: هل تعبدنا به، أم لا، أو الوقف؟

وهذا الخلاف ـ فيما عدا الأصول وهي عقائد التوحيد والقواعد ـ ، فالخلاف إذًا إنما هو مخصوص بالفروع، وهذا المختلف فيه مثاله: قوله تعالى حكاية عن منادي يوسف عليه السلام: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} والزعيم: هو الضامن، وهل يستدل بهذه الآية على وجوب الضمانة  أم لا؟ وكذلك قوله تعالى حكاية عن شعيب وموسى عليهما السلام: ﴿قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ)[31]، هل يستدل بهذه الآية على جواز الإجارة أم لا؟

مذهب مالك وجمهور العلماء  أن النبي عليه السلام متعبد بشرع من قبلنا وكذلك أمته، معناه: أن شرع من قبلنا شرع لنا إلا ما خصه الدليل، كالجمع بين الأختين وتزويج الأخت، واسترقاق السارق كما في قوله تعالى: قوله تعالى: ﴿الُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (74) قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾[32] معناه: جزاؤه استرقاق من وجد في رحله.[33]

اقوال العلماء في حجية شرع من قبلنا

إذا قص القرآن الكريم حكما أو ثبت في السنة، ولم يرد في القرآن الكريم أو السنة ما يدل على إقراره أو إلغائه فقد اختلف العلماء في اعتبارها حجة ومصدرا تشريعيا على قولين:

القول الأول:  ذهب جمهور الفقهاءالحنفية، والمالكية، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختاروه أكثر الحنابلة ”  أنها حجة علينا وتشريع لنا يجب إتباعه وتطبيقه.[34]

القول الثاني: ذهب  الشافعي وقال جمهور المعتزلة، وكثير من الفقهاء: إنه لم يكن متعبدا بشرع أحد[35]،  أن شرع من قبلنا الوارد في شريعتنا دون إقرار ليس شرعا لنا، ولا حجة علينا.[36]

أدلة الفقهاء في حجية شرع من قبلنا

  • القول المجيزين: أدلة المجيزين لكونه شرعاً لنا

1ـ  قوله – عز وجل: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا) [المائدة:44] وجه الدلالة: أنه عبر بلفظ “- يحكم بها النبيون ” بصيغة الجمع، فيعم جميع الأنبياء عليهم السلام ومحمد r من جملة الأنبياء فوجب عليه الحكم بالتوراة، فيكون متعبدا بشرع من قبله.[37]

قوله سبحانه وتعالى مخاطباً لنبينا محمد ﷺ : (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) [الأنعام:90]  وجه الدلالة: أن الله تعالى أمر النبي ﷺ بإتباع جميع الأنبياء السابقين، فيكون هو متعبدا بشرع من قبله، فيجب ذلك في كل ما، ثبت عنهم إلا ما قام الدليل على أنه منسوخ.[38] يعني أنبياء بني إسرائيل، وأمره له بالاقتداء بهم يقتضي أن شرعهم شرع له قطعا[39]

3ـ  قوله تعالى. (ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً)[40] وجه الدلالة: أمره بإتباع ملة إبراهيم، وهي من شرع من قبله، ثم أمره – سبحانه وتعالى – بالإخبار بذلك بقوله: (قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)[41]، وذلك يدل على أنه متعبد بشرع من قبله.[42]

  قوله – سبحانه وتعالى : (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى)[43] وجه الدلالة: أن هذا يدل على أن شرع نبينا محمد rمثل شرع غيره من الأنبياء كنوح وإبراهيم  وموسى وعيسى، ولا فرق بينهم في أخذ الأحكام من جميع الشرائع السابقة.[44]

  قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ)   [المائدة:44] وجه الدلالة: أن الله تعالى بين أن من لم يحكم بما أنزل الله فقد خرج عن الملة، والأحكام التي عمل بها النبيون السابقون هو مما أنزل الله، فيجب العمل بها.[45]

من السنة

  أن النبي ﷺ قضى في قصة الربيع بالقصاص في السن، ” وقال: كتاب الله القصاص وليس في القرآن: السن بالسن إلا ما حكي فيه عن التوراة ” بقوله تعالى: ﴿كَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾[46]” إلى قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾[47]،  فدل على أنه uقضى بحكم التوراة، ولم يكن شرعا له، لما قضى به.

2ـ   أن النبي ﷺ ” راجع التوراة في رجم الزانيين ” من اليهود، فلما وجد فيها أنهما  يرجمان، رجمهما، وذلك يدل على شرع ما قبلنا شرع لنا[48]

  أنه ﷺ «استدل» على وجوب «قضاء المنسية عند ذكرها» بقوله عز وجل: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾[49]، وإنما الخطاب فيها لموسى uعلى ما  دل عليه سياق القرآن، وذلك لما نزل النبي  rمنزلا، فنام فيه وأصحابه، حتى فات وقت صلاة  الصبح، أمرهم، فخرجوا عن الوادي، ثم صلى بهم الصبح[50] 

العقول

ما تقدم من أن الرسول ﷺ قبل البعثة متعبد بشرع من قبله، والأصل بقاء تعبده على ما كان، ما لم  يظهر معارض له[51]

رابعا: من الإجماع أن الإجماع منعقد على صحة الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾[52]، وهو من أحكام التوراة، ولولا التعبد بعد البعثة بشرع من قبله، لما صح هذا الاستدلال[53]

أقوال النافين

الكتاب

  لو كان شرع من قبلنا  شرعا لنا، لما صح  قوله  I: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً﴾[54] وجه الدلالة: إي باختصاص كل شريعة بنبيها وانتهائها بوفاته أو ببعث رسول آخر بالنص وهو قوله تعالى:﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً﴾[55] أي جعلنا لكل أمة منكم أيها الناس شرعة ببعث الأنبياء أي شريعة وهي الطريق الظاهر ومنهاجا طريقا واضحا يجرون عليه وهذا يقتضي أن يكون كل نبي داعيا إلى شريعته وأن يكون كل أمة مختصة بشريعة جاء بها نبيهم[56]

2- وبقوله: ﴿وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾[57] وجه الدلالة: فتخصيص بني إسرائيل يكون التوراة هدى لهميكون دليلا على أنه لا يلزمنا العمل بما فيه إلا أن يقوم دليل يوجب العمل به في شريعتنا ولأن بعث الرسل لبيان ما بالناس حاجة إلى بيانه وإذا لم تجعل شريعة رسول منتهية ببعث رسول آخر لم يكن بالناس حاجة إلى البيان عند بعث الثاني لأن ذلك مبين عندهم بالطريق الموجب للعلم فمن هذا الوجه يتبين أن بعث رسول آخر دليل النسخ لشريعة كانت قبله ولهذا جعلنا هذا كالنسخ فيما يحتمل النسخ دون ما لا يحتمل النسخ أصلا كالتوحيد وأصل الدين ألا ترى أن الرسل عليهم السلام[58]

3- سورة الأنعام: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتاكُمْ﴾[59]

 وجه الدلالة: فلا يبتلي الله الأمة إلا فيما آتاهم، فلذلك جعل شرائع كل أمة حسب حالها، ومن هذه الجهة اختلافهم، وجاءت أكمل الشرائع لأكمل الأمم[60]

السنة

أ ـ لما صح قوله ﷺ :  «بعثت إلى الأحمر والأسود»[61] وجه الدلالة: الحديث «اختصاص كل» من الرسل «بشريعة»، لكن قد صح مضمون الآية والحديث، فلا يكون شرع من قبلنا شرعا لنا[62]

ب ـ  روي أن النبي rقال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: بعثت إلى الأحمر والأسود،  وكان النبي إنما يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة»[63]وجه الدلالة: لأن ذلك لو كان كذلك لوجب علينا طلب شرائع الأنبياء – عليهم السلام – ونتبعها، ولدعا النبي uالناس إليها دعاء عاما، كدعائه u إلى إتباع شريعته، ولو كان كذلك  لنقلت  الأمة ذلك نقلا عاما، ولوجب على النبي uتعليمها الصحابة وتبليغها إياهم، ولو كان كذلك  لنقلوها، فدل على أنهم لم يكونوا مبعوثين إلينا، فلا يكون شرعهم لازماً لنا.[64]

والجواب: أن قوله: «بعث» يعني: متبوعاً مقصوداً إلى قومه، وغير قومه تبع له.[65]

ج ـ  لو كان شرعا لنا، للزم النبي r- «وأمته تعلم كتبهم »، أي كتب من قبلنا من أهل الكتاب، والبحث عنها، والرجوع إليها عند تعذر النص في شرعه  على حادثة ما، لكن ذلك لا يلزم بالإجماع، فلا يكون شرعهم شرعا لنا.[66]

  لو كان شرعهم شرعا لنا  لما توقف النبي صلى الله عليه وسلم في الظهار، واللعان، والمواريث ونحوها من  الأحكام  على الوحي ، لكن ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه توقف في الأحكام على الوحي، فدل على أن شرعهم  ليس شرعا لنا، وإلا لبادر باستخراج الحكم من كتبهم والسؤال عنه فيها لأنها من شرعه كالقرآن[67] 

أنه لو كان شرع من قبلنا شرع لنا دليلا من أدلة الأحكام التي يجب أن يرجع إليها لكان تعلمه، والاطلاع عليه، وحفظه، ونقله، والحرص على سنده، والاهتمام به فرضا من فروض الكفاية كغيره من الأدلة الشرعية مثل القرآن والسنة.[68]

6ـ  أن النبي ﷺ قد غضب لما رأى بيد عمر بن الخطاب قطعة من التوراة وقال: «ما هذا؟ ألم آت  بها بيضاء نقية؛ لو أدركني موسى حيا ما وسعه إلا إتباعي»[69] وجه الدلالة: أنه لو كان شرع من قبلنا شرع لنا لما أنكر النبي rذلك، لو كان شرعهم شرعا لنا،   لكان ” النبي r «تبعا لغيره»في الشرع، وفي ذلك ” غض من منصبه ومناقضة لقوله: لو كان  موسى حيا لا تبعني إذ يكون تابعا لموسى متبوعا له بتقدير وجوده في عصره وذلك باطل.[70] 

أن معاذ بن جبل، أن الرسول ﷺ لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن  قال: «كيف  تقضي إذا عرض لك قضاء؟»، قال: أقضي بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد في كتاب الله؟»، قال: فبسُنة رسول الله ﷺ، قال: «فإن لم تجد في سنة رسول الله ﷺ، ولا في كتاب الله؟» قال: أجتهد رأيي، ولا آلو فضرب رسول الله ﷺ صدره، وقال: «الحمد لله الذي وفق رسول، رسول الله لما يرضي رسول الله».[71]وجه الدلالة: فصوب معاذا في ذلك، ولو كان شرع من قبلنا شرعا لنا، لما صوبه، بل كان يقول له: إن لم تجد في كتاب الله Uوسنتي شيئا، فاطلب الحكم في شرع من قبلنا، ثم اجتهد رأيك، وهذا  معنى قولنا: ولما صوب معاذا في انتقاله من الكتاب والسنة إلى الاجتهاد[72]

من المعقول

وهو أن الأصل في الشريعة الماضية الخصوص؛ لأن بعث الرسول ليس إلا لبيان ما بالناس حاجة إلى بيانه، وإذا لم يجعل شريعة رسول منتهية ببعث رسول آخر ولم يأت الثاني بشرع مستأنف لم يكن بالناس حاجة إلى البيان عند بعث الثاني لكونه مبينا عندهم بالطريق الموجب للعلم فلم يكن في بعثه فائدة

والله تعالى لا يرسل رسولا بغير فائدة فثبت أن الاختصاص هو الأصل ألا ترى أنها أي شريعة من قبلنا كانت تحتمل الخصوص في المكان أي قد كانت مختصة بمكان حين وجب العمل بها على أهل ذلك المكان دون مكان آخر كرسولين بعثا في زمان واحد في مكانين مثل شعيب وموسى

فإن شريعة شعيب كانت مختصة بأهل مدين وأصحاب الأيكة وشريعة موسى uكانت مختصة  ببني إسرائيل ومن بعث إليهم إلا أن يكون متصل بقوله يحتمل الخصوص أي إلا أن يكون أحد الرسولين تبعا للآخر فحينئذ لا يثبت الخصوص.[73]

 المناقشة ادلة الفقهاء

مناقشة أدلة المجيزين:

اـ  مناقشة الكتاب:

إن المراد من الآيات المذكورة إنما هو «التوحيد والأصول الكلية» المعروفة بأصول الدين، وما يجوز على البارئ Y وما لا يجوز، وهي :أي «الأصول الكلية» مشتركة بين الشرائع كلها،  وذلك مثل: الله واحد أحد أزلي باق سرمدي، ليس كمثله شيء، خالق للعالم، مرسل للرسل، فعال لما يريد، ليس بجائر ولا ظالم، ونحو ذلك، لا أن شرع من قبلنا شرع لنا في فروع الدين.[74]

مناقشة السنة:

وأما قوله u: كتاب الله القصاص فليس إشارة إلى حكم التوراة، بل إما إلى عموم قوله سبحانه  وتعالى: ﴿اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:194]، وهو يتناول العدوان في السن وغيرها، أو إلى عموم قوله  سبحانه وتعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائدة:45]، على  قراءة من قرأ: قرأ: ﴿وَالْجُرُوحَ﴾ بالرفع على الاستئناف، وهو ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر، وعلى ذلك يكون من كتابنا وشرعنا، لا من التوراة وشرع من قبلنا.[75]

وأما «مراجعته التوراة» في رجم الزانيين فليس على جهة استفادة الحكم منها بل تحقيقا لكذب اليهود، فإنه رآهم سودوا وجوههما، وطافوا بهما بين الناس، فأنكر أن يكون ذلك من حكم الله تعالى في الزاني، فاستدعى بالتوراة، فاستخرج منها الحكم بالرجم تحقيقا لكذبهم على الله تعالى، وتحريفهم الكتب المنزلة عليهم كما في موضع: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾[76]، وإنما حكم بالقرآن  بقوله تعالى: «الشيخ و الشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ».[77] وهذا مما نسخ خطه، وبقي حكمه.[78]

وأما استدلاله بقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:14] ، فهو إما «قياس» لنفسه  على موسى في إقامة الصلاة لذكر الله U، أي: عند ذكره،  أو تأكيد من النبي r لدليله على قضاء الصلاة بالآية المذكورة خطابا لموسى u،  أو أنه  uعلم عموم الآية له، لا أنه حكم بشرع موسى عليه السلام.

  • مناقشة أدلة النافين:

قوله «عن الأولين»; وهما: لو كان شرعهم شرعا لنا، لما صح: ﴿ِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً﴾  [المائدة:48]، ولا قوله: بعثت إلى الأحمر والأسود «بأن اشتراك الشريعتين في بعض الأحكام لا ينفي اختصاص كل نبي بشريعة اعتبارا بالأكثر»، وهو ما اختلفوا فيه

أي: إن الشريعتين إذا اشتركتا في بعض الأحكام، واختلفتا في بعضها، صح أن يكون شرع إحدى الشريعتين شرعا لمن بعدها باعتبار البعض المتفق عليه، وصح أن يكون لكل من النبيين شرعة ومنهاج باعتبار البعض المختلف فيه من غير تناف، وحينئذ قوله – سبحانه وتعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً﴾[المائدة:48]، لا ينفي كون شرع من قبلنا شرعا لنا في بعض الأحكام، وهو المطلوب.[79] 

وأما قوله:  بعثت إلى الأحمر والأسود فلا نسلم أنه يفيد اختصاصه بشريعة لا يشوبها     شيء من شرع من قبله لجواز أنه بعث إلى الأحمر والأسود بشرع من قبله أو ببعضه.[80]

3ـ  أن كتب من قبله حرفت، فلم تنقل إليه موثوقا بها ، فلذلك لم يطلب أحكام الوقائع العارضة له فيها، ولذلك غضب من نظر عمر بن الخطاب في قطعة من التوراة، وصوب معاذا tفي  انتقاله عن  الكتاب والسنة إلى الاجتهاد، ولم ينكر عليه ترك ذكر كتب من قبله وليس الكلام فيما حرف منها، ولم يصح نقله، إنما «الكلام فيما صح عنده منها كما في القرآن من أحكامها»، فذلك الذي هو شرع له لا غيره،  قوله: «وإذا تعبده الله بها »، إلى آخره.[81]

ولو كان شرعا لنا، لكان النبي r «تبعا لغيره»؛ لأن الجواب بتحريف الكتب السابقة لم  ينتظمه

الجواب: أن الله تعالى إذا تعبد نبيه rبشرع من قبله وبمقتضى كتبهم، لم يكن في ذلك غض من  منصبه، ولا جعله تبعا لغيره؛ لأنه في ذلك مطيع لله U، لا لمن قبله من الرسل، فهو كالملائكة لما  أمروا بالسجود لآدم u، لم يكن في ذلك غض عليهم، ولا نقص؛ لأن سجودهم في الحقيقة إنما  كان طاعة لله U، لا لآدم عليه السلام. وبالجملة إذا كانت طاعة العبد لربه عو وجل لم يضره ما كان  هناك من الوسائط والأسباب.[82]

  • الترجيح

الراجح  هو مذهب الجمهور لكثرة الأدلة ووضوحها وهو أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يكن في شرعنا ما يخالفه، كما قال أهل العلم والله اعلم، و يقول صاحب المهذب في علم أصول الفقه المقارن:

” إن الخلاف لفظي، لا ثمرة له؛ حيث إنا نجد ، أصحاب المذهب الأول وهم القائلون: إنه حجة لا يحتجون به، لوحده على إثبات حكم شرعي، بل يذكرونه مع عدد من الأدلة، الشرعية الثابتة بشرعنا، فهو ليس العمدة عندهم في إثبات الحكم، فهم بذلك موافقون أصحاب المذهب الثاني في أنه ليس بحجة يعتمد، عليه لوحده.

نسلم أن أصحاب المذهب الأول وهم القائلون: إن شرع من، قبلنا حجة لا يستدلون به على إثبات الحكم لوحده، بل يعضدونه، بأدلة أخرى ثابتة بشرعنا، ولكنهم اعتمدوه دليلا معاضدا ومقويا، للأدلة الأخرى، ولو لم يوجد في المسألة إلا هو لاستدلوا به، لوحده، ولكنهم يذكرونه مع غيره من باب تعاضد الأدلة كما يفعل، كثير من المجتهدين حينما يريدون الاستدلال على حكم معين

أما أصحاب المذهب الثاني: وهم القائلون: إن شرع من قبلنا، ليس بشرع لنا فإنهم لا يذكرونه مع الأدلة الثابتة بشرعنا، ولو لم يوجد إلا هو لما استدلوا به على إثبات حكم شرعي، فهذا هو الخلاف بين المذهبين، وما دام أنه وجد خلاف، إذن الخلاف معنوي”[83]

الخاتمة

بعد كتابة هذا المقالة واستعراض حجية شرع من قبلنا  كانت نتائج المقالة على النحو التالية:

استنتاجات البحث :

  1. الشرائع السماوية كلها من مصدر واحد، وهو الله سبحانه وتعالى، وقد تختلف في الأحكام الفرعية حسب اختلاف الأزمان والبيئات، وبسبب ظروف وملابسات خاصة.
  2. اتفق العلماء على أن الأحكام الشرعية التي نص عليها القرآن أو السنة هي إحكام عن الأمم السابقة، وأقرها الله تعالى علينا أنها أحكام شرعية واجبة الإتباع.
  3. اتفق العلماء على أن الأحكام الشرعية التي ورد فيها نص في القرآن الكريم أو في السنة هي إحكام عن تشريع الأمم السابقة مع نسخها وإلغائها في شريعتنا، أنها ليست أحكاما شرعية.
  4. اختلف العلماء إذا قص القرآن الكريم حكماً أو ثبت في السنة، ولم يرد في القرآن الكريم أو السنة ما يدل على إقراره أو إلغائه.
  5. مذهب مالك وجمهور العلماء أن النبي عليه السلام متعبد بشرع من قبلنا وكذلك أمته، معناه: أن شرع من قبلنا شرع لنا إلا ما خصه الدليل.
  6. وذهب الشافعي وقال جمهور المعتزلة، وكثير من الفقهاء: إنه لم يكن متعبدا بشرع أحد، أن شرع من قبلنا الوارد في شريعتنا دون إقرار ليس شرعا لنا، ولا حجة علينا.
  7. الراجح هو مذهب الجمهور لكثرة الأدلة ووضوحها وهو أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يكن في شرعنا ما يخالفه، كما قال أهل العلم والله اعلم .

هل كان المقال مفيداً؟

6642 مشاهدة