ما هو حكم الإستئذان في النِّكاح | ويكي عربي، أكبر موقع عربي

ما هو حكم الإستئذان في النِّكاح

كتابة: د. نور ابو جامع - آخر تحديث: 19 مايو 2020
ما هو حكم الإستئذان في النِّكاح

حكم الإستئذان في النِّكاح

أوَّلا: صورة المسألة: من زالت عذرتُها بالزِّنا، أو من زالت عذرتُها بوثبةٍ أو حيضةٍ أو طولٍ التَّعنيس، هل يُكتفى بسكوتها مثل البِكر؟

ثانياً: تحرير محلّ النزاع:

  1. اتَّفقَ أئِمَّة المذاهب الحَنَفيّة في أنَّ كلّ من زالت عذرتها بوثبةٍ، أو حيضةٍ، أو طول التَّعنيس أنَّها في حكم الأبكار، تُزَوَّج كما تُزَوَّج الإبكار.[1]
  2. اتَّفقَ أئِمَّة المذاهب الحَنَفيّة أيضا على أنَّ من زالت عذرتها بوَطءٍ يتعلَّق به ثبوت النَّسب، وهو الوَطءٍ بعقدٍ جائزٍ أو فاسدٍ أو شُبهةِ عقدٍ، وجب لها مهرٌ بذلك الوَطءٍ – أنَّها تُزَوَّج كما تُزَوَّج الثَيِّب.[2]
  3. ولكنَّهم اختلفوا في من زالت عذرتُها بالزِّنا، هل تُزَوَّجُ كما تُزَوَّجُ الثَيِّب أم كالأبكار؟

أختلف السَّادة الفقهاء في ذلك على قولين:

أقوال العلماء:

القول الأوَّل لأبي حنيفة: من زالت عذرتها بالزِّنا لا تزول إسم البكارة، ولهذا تُزَوَّجُ عنده مثل ما تُزَوَّجُ الإبكار، فيكون سكوتها رضا عنده مثل الإبكار.[3]

القول الثَّاني لأبي يوسفَ ومُحَمَّدٍ: من زالت عذرتها بالزِّنالا يكتفى بسكوتها؛ لأنَّها ثَيِّبٌ حقيقةً، إذ الثَيِّبُ من يكون مصيبُها عائدا إليها.[4]

ثالثاً: أدلّتهم:

أ ـ أدلّة أبي حنفية: 

استَدلَّ من السُّنَّة والمعقول:

أ – السُّنَّة:

  1. رُوِيَ عن رسول الله ﷺ أنَّه قال:: «تُسْتَأْمَرَ النِّساء في أبضاعهنَّ فقالت عائشة – رضي الله عنها – :إنَّ البِكر تستحي يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم:إذْنُها  صِماتُها».[5]

وجه الدَّلالة: فالإستدلال به أنَّ قوله ﷺ: إذنُها صِماتُها، خرج جوابا لقول عائشة – رضي الله عنها – أنَّ البِكر تستحي، أي عن الإذن بالنِّكاح نطقاً، والجواب بمقتضى إعادة السُّؤال؛ لأنَّ الجواب لا يَتِمُّ بدون السُّؤال كأنه قال: ﷺ إذا كانت البِكر تستحي عن الإذن بالنِّكاح نطقا فإذنها صِماتُها، فهذا إشارةٌ إلى أنَّ الحياء علَّةُ وضعِ النُّطق، وقيام الصِّماتِ مقام الإذْن علَّةٌ منصوصةٌ، وعلَّة النَّصّ لا تتقيَّد بمحلِّ النَّصّ،فمن زالت عذرتها بالزِّنا فتستحي من أظهار رغبتها، كالطَّواف في الهرة ونحو ذلك.[6]

ب ـ المعقول:

وإذا اشتُرط على من زالت عُذرتُها بالزِّنا بالنُّطق، لكان ذلك حرجٌ عليها لما فيه من إظهار رغبتها في الرِّجال؛ والنَّاس يستقبحون ذلك فيذمُّونها، وذلك مانعٌ من النُّطق، وإنْ كانت ثَيِّبا حقيقةً؛ لأنَّ زوال بِكارتها لم تظهر للنَّاسِ فيستقبحون منها الإذْن بالنِّكاح صريحا، ويعدُّونه من باب الوقاحة، ولا يزول ذلك ما لم يوجد النِّكاح ويشتهر الزِّنا، فحينئذٍ لا يُستقبحُ الإظهار بالإذنُ، ولا يُعدُّ عيبا، بل الامتناع عن الإذن عند استئمار الوليِّ يُعدُّ رعونةً منها؛ لحصول العلم للنَّاسِ بظهور رغبتها في الرِّجال.[7]

قال: أبو حنيفة: صاحب الشَّرع إنَّما جعل سكوتَها رضا لا للبِكارة بل لعلَّة الحياء، فإنْ عائشةَ – رضي الله تعالى عنها – لمَّا أخبرت  أنَّها تستحي فحينئذ قال: سكوتها رضاها، وغَلَبة الحياء هنا موجودةٌ، فإنْها وإن ابتُليت بالزِّنا مرةً، او أكرهت على الزِّنا لا ينعدم حياؤها بل يزداد؛ لأنَّ في الاستنطاق ظهور فاحشتها، وهي تستحي من ذلك غايةَ الاستحياء، وهذا الاستحياءُ محمودٌ منها؛ لأنَّها سَتَرت على نفسها، وقد أُمِرت بذلك، قال: ﷺ «مَنْ أَصَابَ مِنْ هذِه  القَاذُورَاتِ شَيئا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ الله».[8]، وقبل هذا الفعل إنَّما كانت لا تُستنطق؛ لأنَّ الاستنطاق دليل ظهور رغبتها في الرِّجال، فإذا سقط نطقها في موضعٍ يكون النُّطق دليل رغبتها في الرِّجال على أحسن الوجوه، فلأنْ يسقط نطقها في موضعٍ يكون النُّطق دليل الرَّغبة في الرِّجال على أفحش الوجوه كان أولى.[9]

وإنْ الإسلام يتَشوَّفُ إلى السِّتر دون الفضيحة،  وهناك أماراتٌ  ودلائلُ من خلال السُّنَّة المطهَّرة على ما نقول، كشواهد للسِّتر في قضيَّة ماعز، حيث قال: ابن عبَّاسٍt:« لما أتى ماعزٌ بن مالكٍ النَّبيّ ﷺ قال له: «لعلَّك قبَّلتَ، أو غَمَزْتَ، أو نَظَرْتَ» قال: لا يا رسول الله، قال:  أنكتها».[10]، والغامديَّة لمَّا جاءت الرَّسول فقالت: يا رسول الله «إنِّي قد زنيت فطهِّرني».[11] والشَّاهد هنا: وإنْ كان فعل ذلك محرَّما، إلا أنَّالإسلام يتشوَّف السِّتر، فقال لماعزٍ: لعلَّك قبَّلتَ؟ لعلَّكَ غَمَزتَ؟  وعندما أتت الغامديَّة  لرسول اللهردَّها، قالت: يا رسول الله، لِمَ تَرُدَّني؟ لعلَّك إن تردَّني كما رددتَ ماعزا. فكان هذا دليلاً واضحاً على أنَّ الإسلام يُحِبُّالسِّتر لقولهu:«من أصَابَ مِن هذِهِ  القَاذورَاتِ شيئا فلْيَسْتَتِرْ بِستْرِ الله».[12]

ب ـ أدلّة أبي يوسفَ ومُحَمَّدٍ:

وإستَدلَّوا من السُّنَّة والمعقول:

أ ـ السُّنَّة:

  1. تُزَوَّجُ كما تُزَوَّجُ الثَيِّب، احتجُّوا بما رُوِيَ عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: «البِكر تُسْتَأْمَرَ في نفسِها، والثَيِّبُ تُشَاوَرُ».[13]
  2. قال ﷺ :«الثَيِّب يُعرِبُ عنها لسانها».[14]

وجه الدَّلالة: وهذه ثَيِّبٌ حقيقةً؛ لأنَّ الثَيِّب حقيقةً من زالت عذرتها، وهذه كذلك فتجري عليها أحكام الثَيِّب، ومن أحكامها أنَّه لا يجوز نِكاحها بغير إذنها نصَّا، فلا يُكتفى بسكوتها.[15]

ب ـ المعقول :

وجه قولهما أنَّها ثَيِّب حقيقةً فإنَّ مصيبها عائد إليها، ومنه المثوبة؛ لأنَّ جزاء عمله يعود إليه، والمثابة الموضع الذي يرجع إليه حتَّى تدخل في الوصية للثَيِّبات من بنات فلان.[16]

وهذا يفيد لو كان الحياء مطلقا هوالعلَّة، لكنَّه حياءُ البِكر الصَّادرُ عن كرم الطَّبيعة، فلا يُلحق به المتنازع فيه.

رابعاً: مناقشة الأدلّة

أ ـ مناقشة أدلّة أصحاب القول الأوَّل:

عليه أنَّها تستحق من الوصيَّة للثَيِّب دون الوصيَّة للأبكار، وإذا كانت ثَيِّبا وجبت مشورتها بالنَّصّ، ولا يجوز الاشتغال بالتَّعليل مع هذا؛ لأنَّه يكون تعليلا لإبطال حكمٍ ثابتٍ بالنَّصّ؛ ولأنَّ الحياء بعد هذا يكون رعونةً منها، فإنَّها لما لم تستحِ من إظهار الرَّغبة في الرِّجال على أفحش الوجوه، كيف تستحي من إظهار الرَّغبة على أحسن الوجوه؟ بخلاف حياء البِكر؛ لأنَّه حياءُ كرم الطَّبيعة، وذلك أمرٌ محمودٌ، وهذه لو كان فيها حياءٌ إنَّما هو استحياءٌ من ظهور الفاحشة، وذلك غير ما ورد فيه النَّصُّ.[17]

ب –  مناقشة أدلّة أصحاب القول الثَّاني:

وأمَّا الحديث فالمراد منه الثَيِّبُ التي تعارف عليها النَّاس ثَيِّبا؛ لأنَّ مطلق الكلام ينصرف إلى المتعارف بين النَّاس، ولهذا لم تدخلِ البِكر التي زالت عذرتها بالوثبة والحيض ونحو ذلك في هذا الحديث، وإنْ كانت ثَيِّبا حقيقةً.[18]

جواب ما أورد من قوله ﷺ :«لا تُنْكَحُ الأيِّم حتَّى تُسْتَأْمَرَ، والثَيِّب يُعْرِبُ عنها لِسَانُهَا»،[19] من أنَّه عامٌّ خُصَّ منه  الثَيِّب المجنونة والأَمَة، فيُخصُّ بما ذكرنا من جعل الشَّارعِ الحياءَ علَّةً وهو موجود في المزنيِّة، ونفس المجيب صرَّح بعده في مسألة ثبوت الولاية على الثَيِّب الصغيرة بأنَّ الأيِّمَ من لا زوج لها وإنْ كانت بكرا، وهنا الإسلام متشوِّفٌ إلى السِّترِ لا إلى الفضيحة.[20]

التَّرجيح:

بعد سرد الأدلّة ومناقشتها يتبين لنا الرَّأي الرَّاجح هو القول الأوَّل؛ وذلك من الممكن أنَّها وقعت في هذه المعصية، فهي على نوعان: فقد تكون مُكرَهةً على ذلك، فما ذنبها أنْ يُفتضحَ الأمر، وقد تكون مُتعمِّدةً ونادمةً على فعل ذلك.

والمعتمد في مذهب الحَنَفيّة هو من زالت بكارتها بسبب الزِّنا، فيُكتفى بسكوتها، ويكون علامة رضا؛ لأنَّ الحياء فيها أقوى، فكان السُّكوتُ دليل الرِّضا وهو المُعتبَر، ألا ترى أنَّ الثَيِّب أيضا إذا وُجد منها فعلٌ يدل على الرِّضا نفذ النِّكاح ولا يشترط فيها القول.[21]

210 مشاهدة