قصة بعنوان في المنتصف | ويكي عربي، أكبر موقع عربي

قصة بعنوان في المنتصف

كتابة: لين حسام عطيات - آخر تحديث: 18 أبريل 2020
قصة بعنوان في المنتصف

في المنتصف

الثاني عشر بعد منتصف الليل من كل يوم تتطايرُ أورق الأذهان، وتشردُ الأفكار ويتداخلُ كُحل الليل في ظل الأحلام، ويبدأ السباق ليذهب الغالبُ في سبات المنام، فيشهدو نفيه عناق الأحلام للعقل الباطن ويتنافسون لحصاد الحلم الأجمل من بساتين الأحلام المُمتدة بكل ما يحتويه كون الله، ويصنعون حبكات لحكاياتهم كما يرغبون، وكما تشبعت نفوسهم  بها خلال نداء النهار إلا هؤلاء  الذين يتخبطون بأحلام الماضي ويعانقون ما في العقل الباطن من مستحيل كياسين.[1]

ياسين الذي كان في كل ليلة يقرأ كتاباً جديداً ويتخبط بأقلام الكُتاب ويزور السند والهند والصين والزقق غير الظاهرة والحارات المخفية ويزور إبريق ماردٍ ويتمنى مع الطالبين للأماني فكانت الحروف تفتحُ أوراق عقله وتسطرُ ألف كتابٍ وكتاب.

الثاني عشر من نيسان في  عام ألفٍ وتسعمئةٍ وتسعين  تعلقت أنوارُ الفرح في الحارات، وزفت الانتظارات وهبت نسمات السعادة بين العائلات، وعُلقت أنغامُ موسيقى الأمسيات حماماً فوق سرير ملاكٍ صغير، وكان لانتظار أطفال الحي لهذا الملاك إنطلاقٌ لأسئلةٍ كثيرة ومبعثرة فمن هو ياسين المنتظر  !!!

ياسين كان الابن الثاني والأمل الثاني لوالدته بعدما ما أخذ القدرُ منها فلذ كبدها الأول ، فكان ياسين  حبيب أمه المدلل كانت تُعطيه من الحب أكثر من معناه، كأنهاتحمله بين أحشائها حتى وهو خارج رحمها الحنون فأصبح عاشقاً لأُمه، والبعض  قال أنهُ مصابٌ بعقدة أديب على الرغم من أن أمه قد أنجبت بعده ابنين آخران لكن ياسين بعشقه لأمه كان الأحب وظن هو كذلك .

الحادي عشر من آيار  في عام ألفين وثمانية التحق بالجامعة وعاش حياةً جامعية قيل أن أيامها كانت الأسعد على قلبه، وفي يوممن أيامها الوردية قد أحب فتاةً تعشقُ القلم ولها من الكتب ما خطف قلوب البشر كما أنهُ خطف قلبها ، وكان الوحيد الذي استطاع أن يخطف معاني الحب من حروفها فأحبا بعضهم حباً بجواهرَ نادرةٍ ….

حتى تطايرت أوراق خريف عقل مراهقة الشبان، وصفعت أمسياتُ حديثه مع أمه جدران أوتارِ عقدة أُديب من قلبه ، وفجرُ تلك الليلة همس بأذنه أن حب أمه هو الأول والأخير وأن لا من بعدها بالوفاء فقرر ترك من أحبها وأحبته قبل أن يسير في حبها ميل وأن يسير في حب أمه ألف ميل ..

ومع ذلك بقى ياسين في حب مكتبته لأسير ليس بجميع كتبه بل كُتب من أحبها في فصل الإزهار فقد جمع كُل ما كتبته في السطور ووضعهُ أمامه وأخذ يقرأُ الكثير والكثير ..

ياسين اكتفى بحب أمه سنين وسنين إلا حين أن جاءت ليلة جائعة وافقدتهُ حبها وأصبح جائعاً، فاكتفاءُ الماضي لن يكفيه الآن فالموت قد خطف أمه من دنياه والليل قدعزف الموسيقى من أوتار قلبه وأوجع أوتار أديب ..

وأخذت الجدران بعدها تشهدُ حبس ياسين لنفسه أياماً وأيام في سريره يصرخُ من ألمه ألمان، فكاد يقفزُ قلبه من لهفة الاشتياق وباتت لوعتهُ تبحثُ عن حبٍ آخر يرمي في حضنه أوجاعه فأخذ يبحثُ بقلبه عن أنثى أخرى يحبها يوماً فوجد منيتها سبقت منية عشقه الأول..

فسمعَ أنها فارقت الحياة من سنتان بعد صراع مع مرض السرطان اللعين  وتركت في نهاية مسيرها كتاباً أخيراً من بعد آخر كتاب اقتناه ياسين  لها.

التاسع عشر من تشرين الثاني في عام ألفين واثنا عشر أُصيب شقيق ياسين الأصغر بحادث مؤسفٍ فقد شاء القدرله أن  يفقد احدى كليتيه وتضررت الأخرى وتلفت وما كان بيد أم جوزيف أي اختيار فالأم طبعها غلاب تفقد حرية الاختيار أمام أبنائها فهُم اختيارها، ففي تلك اللحظات التي قررت فيهاأمه التبرع لأخياسين بكليتها.

كان يا سين  يتخابطُ مع نفسه كأخطبوطٍ يحاول إلتقاط الأجوبة بأقدامه ليجد تعجباً وصدمة تجذعُ قلبه لتخبرهُ أن حب أمه ليس  مُلكاً له وحده، وبعد أيام غادرت أم ياسين وابنها المستشفى إلى منزلهم وبدأت الأيامُ بعدها تسيرُ لكن لياليها كانت حزينة تحاول أن تطيل من كُحلها قدر استطاعتها لألا تشهد تلك اللحظة التي يموت فيها قلب ياسين على فراق أمه ففي السنة التي كانت تغادر بعد تلك الحادثة كانت أم ياسين تتألم بصمتٍ شديد لألا تشعر ابنها بذنب مضاعفات نقل الكلية إليه فكانت تلك المضاعفات حادة كانت تشحذُ ألماً من جسد أم ياسين فكان ليلها أليماً ونهارها صامتاً عاشقاً لعشق أبنائها حتى فارق قمر وجهها قمر الليل وليل ياسين.

الآن ياسين بعد منتصف كُل ليلة يبدأ ليلتهُ بنفس الجُمل ..

***

في المنتصف بين حبيبتاي

ظننت أمي الأبدية فماتت

وظننتُ حبيبتي  هامشاً ، فيوماً احتجتها فلم أجدها ..

إلى منتصف كُل شئ

إلى روح محمود درويش الذي قال لا لمنتصف الأشياء ها أنا أردُ عليه هنا وأقول له للمنتصف إنصاف.

***

تلك كانت مقدمة الكتاب الذي يقرأهُ ياسين كُل ليلة هي السطور التي خلدتها حبيبته الميتة، ذلك المنتصف الذي يشهدُ على حزن عدم اختيار المنتصف في الحب.

المراجع

  1. ↑ قصة بعنوان في المنتصف، بقلم الكاتبة لين حسام عطيات.
156 مشاهدة