قيس ما بين الواقع والخيال

كتابة: إسراء إسماعيل الجرجاوي - آخر تحديث: 13 يناير 2020
قيس ما بين الواقع والخيال

قيس ما بين الواقع والخيال

أمات قيس من مرارة واقعه أم من جميل خياله؟

قيس الذي اشتهر بحبه إلى ابنة عمه ليلى العامرية والذي حال بينه وبينها الأجواء العائلية المشحونة بالحقد والكراهية،لكن يوجد سؤالا هاما وهو،كيف مات قيس؟

الجميع يعلم كما يذكر التاريخ أن قيسا مات وهو هائم في الصحراء،لكن ديوانه يكشف عن أشياء مستترة وفي التتبع لها لوجدنا فيه أشياء تذهب العقل وتستنجد الروح،إذ أن الديوان يبين كيف لقيس تحمل قساوة البيئة التي تحيطه،حيث الألم والابتعاد،الفراق،الحسرة،موصلة إلى الجنون.

فبدأ شعره متغزلا بها و راجيا لها،وأنهى بعد ذلك إلى اللجوء لخياله ظنّا منه أنه سيلتقي بها ويلقى أمنيته،وهذه الأبيات تدل على الواقع الذي عاشه القيس :

معذبتي! لولاك ما كنت هائما

أبيت سخين العين حرّان باكيا

معذبتي!قد طال وجدي وشفني

هواك فيا للناس قل عزائيا

معذبتي! أوردتني منهل الردى

وأخلفت ظنّي واخترمت وصاليا

وفي هذه الأبيات سطر القيس ألم وجده وحرارة دمعه وتمزق فؤاده،إذ أن بالفراق ذاق ألوان العذاب،من حزن وابتعاد،إذ أن الحب الذي كان يعيشه جعله منعزلا يتذكر ما حدث معه وما الأشياء التي ممكن أن تحدث،ففي ساعاته الطوال كان يكتب الأشعار،ويخبر بها الأخبار،فذكر لنا قسوة الأيام،وندالة الخلّان،فهذا عمه حال بينه وبينها فقال :

لاموني في حب ليلى أقاربي

أبي وابن عمي وابن خالي وخاليا

يقولون ليلى أهل بيت عداوة

بنفسي ليلى من عدو وماليا

أرى أهل ليلى لا يريدون بيعها بشيء

ولا أهلي يريدونها لي

فالأبيات هذه أراد قيس أن يبن لنا الخلافات الاجتماعية الذي حدثت معه فأودت به إلى ملاقة موته، انعزل القيس عن الظلم الذي يلاحقه،وأصبح خيال ليلى يلاحقه،فيأوي إلى فراشه يظنّ أن ليلى بجواره،ويتحدث إلى نفسه يظن أن ليلى تسمعه،فيا له من فتى عاش مقيدا بين واقع وحلم،ذهب إليها يرتجي وصالها وما هي تجيب،إذ أن أهلها أبوا أن يجمعوهم ،واتفقوا على تفرقهم ،يزوجوها إلى ورد ويفرحوا،علم القيس ما حدث،فأغشي عليه ويستيقظ يذهب إلى الصحراء لعله،ينسى ما به ولا يعلم،أن خلوته ستجعل منه جثة هامدة،يرى ظبية فيظن أنها تشبه سماءه،فيطلق صراحها،ويذهب يحدث نفسه ودموعه تسيل بغزارة لأنه رأى ليلى أمامه،هلّا ليلى أن تأتي إليه وهي مزوجة إلى من تكره؟

رحلت ليلى عن ديارها مجبورة،فأرهق الحب قلبها،مرضت فأرهق المرض روحها،وتم نقلها إلى العراق علّها تشفى،لكن قلبها لم يتحمل هذا البعد وأخذ الفراق روحها،فغنى القيس هذه الأبيات :

يقولون ليلى في العراق مريضة

فيا ليتني كنت الطبيب المداويا

ماتت ليلى في حسرة،وجن القيس بما حدث،وله قصيدة تقول في مطلعها :

تذكرت ليلى والسنين الخواليا

وأياما لا نخشى على الدهر منه لاهيا

وهلّا لقيس ينسى محبوبته؟

أم أن قيسا كان في عالم الخيال يعيش معها فيظنُّ أنها حية،وعندما جاء أحد وذكره بها تذكر أنها غادرت أهل الأرض،الخيال والواقع اوقعوا بقيس فمات مجنون وفي هذا نقول أن الابتعاد شكل لقيس حياة وهمية غير موجودة يرى من خلالها ما يريد هو، لا ما يريده الآخر،ونستدل بذلك على أنه كتب أبياتا تدل على أنه تعلق بخياله، ومن هذه الأبيات:

وإني لأستغشي وما بي من نعسة

لعل خيالا منك يلاقي خياليا

وأيضا:

خليلي مدا لي فراشي وارفعا

وسادي لعل النوم يذهب ما بيا

وفي هذا نقول أن القيس تحمل ما لم يتحمله الآخرون، فأهدافه قد اندثرت ولم يبق له سوى خياله ليواسي نفسه،لكنه عندما كان يخرج من هذا الخيال فإنه يعود إلى واقعه المخزي الذي لا يريد،ويذهب تارة إلى خياله،وهكذا استمرّ به الحال إلى أن وصل به الأمرإلى الجنون ومن ثم الموت بحسرة وعذاب وظلم نتيجة لبيئة ظالمة لا تبالي بحاله ولا بإنكسار قلبه.

المراجع

  1. ↑ قيس ما بين الواقع والخيال - بقلم ” إسراء إسماعيل
37 مشاهدة